لأول مرة.. قياس سرعة وارتفاع أمواج الفيضانات بالأقمار الصناعية
التكنولوجيا في مواجهة الكوارث.. كيف تساعد بيانات الفضاء في رصد الفيضانات؟
حتى وقت قريب، كان تتبُّع سرعة وارتفاع أمواج الفيضانات الخطيرة في الأنهار أمرًا لا يستطيع العلماء فعله إلا من الأرض.
لكن دراسة جديدة تُظهر أن هذا الوضع بدأ يتغير، إذ تتيح تقنيات الأقمار الصناعية لأول مرة للباحثين رؤية أوضح لتلك الأمواج القوية أثناء انتقالها عبر أنهار الولايات المتحدة.
استخدم علماء من وكالة ناسا وجامعة فرجينيا للتكنولوجيا بيانات الأقمار الصناعية لقياس حركة موجات الفيضانات أثناء عبورها أنهارًا في ولايات مونتانا وتكساس وجورجيا.
وتسببت الأمطار الغزيرة وانهيار كتل الجليد في نشوء تلك الأمواج العاتية، التي امتدت لمسافات تراوحت بين 47 و166 ميلًا (76 إلى 267 كيلومترًا).
وعلى الرغم من عدم وجود قاعدة بيانات مركزية لموجات فيضانات الأنهار الملتقطة من الفضاء، تُظهر هذه الدراسة مدى فاعلية عمليات الرصد الفضائي، خاصة بالنسبة للمجتمعات التي تفتقر إلى أنظمة تحكم في الفيضانات مثل السدود والبوابات.

فهم أمواج النهر
بخلاف أمواج المحيط، التي تتحرك بثبات نحو الشاطئ وتتشكَّل بفعل الرياح والمد والجزر، فإن أمواج الأنهار مؤقتة.
تُعرف أيضًا باسم موجات الفيضانات أو التدفق، وتظهر فجأة وتمتد لمئات الأميال على طول مجرى النهر.
تسهم هذه الأمواج في نقل العناصر الغذائية والحياة البرية، لكنها قد تصبح خطيرة خلال الظروف الجوية القاسية أو في حال انهيار السدود.
وقال سيدريك ديفيد، عالم المياه في مختبر الدفع النفاث التابع لوكالة ناسا: “أمواج المحيط معروفة جيدًا من خلال ركوب الأمواج والإبحار، لكن الأنهار هي شرايين الكوكب، نريد أن نفهم ديناميكياتها.”

تتبُّع موجات الفيضانات من الفضاء
لتتبُّع هذه الأمواج النهرية، استخدمت الباحثة هانا ثورمان، من جامعة فرجينيا للتكنولوجيا، بيانات من القمر الصناعي SWOT، وهو اختصار لـ Surface Water and Ocean Topography (تضاريس المياه السطحية والمحيطية)، والذي أُطلق عام 2022 بالتعاون بين وكالة ناسا ووكالة الفضاء الفرنسية CNES.
يقوم هذا القمر بمسح المياه السطحية على الأرض باستخدام أداة رادار متقدمة تُعرف باسم مقياس التداخل الراداري لنطاق Ka (KaRIn)، والتي تقيس ارتفاع وعرض المسطحات المائية من خلال إرسال إشارات ميكروويف نحو السطح وقياس زمن ارتدادها.
وقالت نادية فينوغرادوفا شيفر، عالمة برنامج SWOT في مقر ناسا: “بالإضافة إلى مراقبة إجمالي تخزين المياه في البحيرات والأنهار، نركّز على ديناميكيات حركة المياه وتغيرها وتأثيرها.”
أرادت ثورمان اختبار قدرة SWOT على رصد التغيرات في ارتفاعات الأنهار التي تشير إلى وجود موجة.
وكانت النتيجة إيجابية، إذ تمكّنت من تحديد ثلاث أمواج نهرية واضحة تم رصدها من المدار.

قمة يلوستون
وقعت الموجة الأولى في نهر يلوستون بولاية مونتانا في أبريل 2023، حيث سجّل القمر الصناعي قمة دراماتيكية بارتفاع 2.8 متر (9.1 أقدام) تتحرك بسرعة نحو نهر ميسوري.
امتد تاج الموجة لمسافة تقارب 11 كيلومترًا، تلاه ذيل طويل متدلٍ.
وأشارت ثورمان إلى أن هذه التفاصيل لم تكن لتُلاحظ لولا الدقة المكانية العالية لجهاز KaRIn .
كما استعانت بصور من قمر سنتينل-2 للتحقيق في سبب نشوء الموجة، وتوصّلت إلى أنها نجمت عن انهيار كتلة جليدية أطلقت المياه المتراكمة دفعة واحدة.

أمطار غزيرة تُولّد موجات نهرية هائلة
الموجتان التاليتان نجمتا عن هطول أمطار غزيرة.
ظهرت إحداهما في 25 يناير 2024 على نهر كولورادو بالقرب من أوستن بولاية تكساس، وكانت مرتبطة بأكبر فيضان شهدته المنطقة هذا العام، بارتفاع تجاوز 9 أمتار (30 قدمًا) وامتداد بلغ 267 كيلومترًا (166 ميلًا)، وسرعة بلغت 1.1 متر في الثانية لمسافة 402 كيلومترًا (250 ميلًا) حتى خليج ماتاجوردا.
أما الموجة الثالثة، فقد رُصدت في مارس 2024 على نهر أوكمولجي قرب مدينة ماكون بولاية جورجيا، وبلغ ارتفاعها أكثر من 6 أمتار (20 قدمًا)، وامتدت لمسافة 160 كيلومترًا (100 ميل)، وتحركت بسرعة 0.3 متر في الثانية لمسافة 200 كيلومتر (124 ميلًا).
قالت ثورمان: “نتعلم المزيد عن شكل وسرعة موجات التدفق، وكيفية تغيّرها على طول الأنهار، هذا قد يساعدنا في الإجابة عن أسئلة حيوية مثل: كم من الوقت تستغرق الموجة للوصول إلى منطقة معينة؟ وهل البنية التحتية في خطر؟”

بيانات الأقمار الصناعية تعزز المراقبة
حتى الآن، يعتمد المهندسون ومديرو المياه بشكل أساسي على مقاييس تدفق المياه، التي تُسجِّل ارتفاع وتصريف المياه في نقاط محددة.
تمتلك هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية أغلب هذه البيانات داخل البلاد، إلا أن كثيرًا من مناطق العالم تفتقر لمثل هذه التغطية.
وقال جورج ألين، المشرف على الدراسة وعالم الهيدرولوجيا والاستشعار عن بُعد في جامعة فرجينيا للتكنولوجيا: “بيانات الأقمار الصناعية تُعد مكملة، لأنها تساعد في سد الفجوات في المراقبة.”
وأضاف: “إذا شبّهنا مقياس التدفق بكابينة تحصيل رسوم تحصي السيارات المارة، فإن SWOT أشبه بطائرة هليكوبتر مرورية تراقب الطريق السريع بأكمله – وهي فعالة فعلًا.”
وأظهرت المقارنات أن السرعات التي قاسها SWOT طابقت تلك المسجلة بواسطة الأجهزة الأرضية، ما يثبت دقة بيانات القمر الصناعي.
تُعد هذه التقنية مفيدة بشكل خاص في أحواض الأنهار التي تفتقر إلى أدوات القياس، إذ تساعد العلماء على فهم أين وكيف تتشكّل موجات الفيضانات، وكيفية تحركها.

منظور جديد للفيضانات
يدور قمر SWOT حول الأرض عدة مرات يوميًا، ومن المتوقع أن يرصد أكثر من نصف الفيضانات الكبرى في مرحلة من مراحل تطورها، وهو ما قد يُحدث فارقًا كبيرًا.
وقال ديفيد: “إذا رصدنا شيئًا في البيانات، يمكننا التنبيه إليه. لقد وقفنا طويلًا على ضفاف أنهارنا، لكننا لم نرَها من قبل كما نراها الآن.





