أخبارالتنمية المستدامةالزراعة

زراعة الأرز بين نيران المناخ وندرة المياه.. غذاء نصف سكان العالم يواجه المخاطر

سباق عالمي لتطوير "الأرز الأخضر".. رحلة مكلفة بيئيًا تبحث عن حلول مستدامة

كم يكلّف طبق الأرز؟ ولماذا يواجه الغذاء الأكثر شعبية في العالم لحظة حرجة؟
يُعدّ الأرز الغذاء الأساسي الأكبر في العالم، ويزداد الطلب عليه عامًا بعد عام. غير أن هذا المحصول الحيوي يقف اليوم أمام تحديات معقدة، إذ يتأثر بتغير المناخ ويساهم في الوقت نفسه في تفاقمه، ما يستدعي تعاونًا واسعًا بين السياسات العامة والعلوم والزراعة والتعليم.
الأرز ليس مجرد ضحية للمناخ المتغير، بل هو أيضًا أحد مسبباته؛ فأساليب زراعته التقليدية تطلق كميات كبيرة من غاز الميثان، تُقدّر بنحو 10 إلى 12% من الانبعاثات العالمية لهذا الغاز الذي يفوق تأثيره الحراري ثاني أكسيد الكربون بأضعاف.
كما تستهلك زراعته كميات هائلة من المياه، تمثل ما بين 34% و43% من مياه الري عالميًا، وهو ما يشكل معضلة لكوكب يزداد جفافًا.
ورغم هذه التحديات، فإن الأرز لا غنى عنه في تغذية أكثر من 4 مليارات إنسان يوميًا، ويمثل مصدرًا رئيسيًا للدخل في بلدان مثل الصين والهند وإندونيسيا وبنغلاديش وفيتنام وتايلاند.
غير أن ارتفاع درجات الحرارة وارتفاع منسوب البحار وتملح التربة تجعل زراعته أكثر هشاشة وأقل إنتاجية.
تشير الدراسات إلى أن كل ارتفاع بمقدار درجة مئوية واحدة في درجات الحرارة قد يؤدي إلى تراجع إنتاجية الأرز بأكثر من 8%.
وفي الوقت الذي يُتوقع فيه أن يزداد الطلب على الأرز بنسبة 20% خلال العقود المقبلة، تُطالب الحكومات والمزارعون بإيجاد طرق جديدة لزراعته باستخدام مياه أقل وانبعاثات أقل.

التكلفة الحقيقية للأرز

تتجاوز تكلفة الأرز السعر الذي يدفعه المستهلك، إذ تشمل أعباء بيئية كبيرة مثل فقدان التنوع البيولوجي، وانبعاث الغازات الدفيئة، والاستهلاك المفرط للمياه.
لذلك تسعى المبادرات الحديثة إلى تقدير هذه التكاليف الحقيقية ماليًا لتشجيع سياسات أكثر استدامة.
في المناطق المنتجة للأرز، يعيش نحو 560 مليون شخص تحت خط الفقر، ما يجعل أي تراجع في المحصول تهديدًا مباشرًا للأمن الغذائي العالمي.

زراعة الأرز

ابتكارات وحلول

تُجري مؤسسات علمية في آسيا وأمريكا تجارب لتطوير أصناف جديدة من الأرز أكثر مقاومة للمناخ وأعلى في القيمة الغذائية.
ومن أبرز التقنيات الواعدة طريقة الري المتقطع (AWD) التي تعتمد على غمر الحقول وتجفيفها بالتناوب بدلًا من الغمر الدائم، وهو ما يقلل انبعاثات الميثان بنسبة تصل إلى 70%، ويحسن جودة التربة والإنتاج.
برزت فيتنام كدولة رائدة في زراعة الأرز منخفض الانبعاثات، حيث تستهدف زراعة مليون هكتار من هذا النوع بحلول عام 2030.
كما تُستخدم التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي لتتبع الانبعاثات وتحسين إدارة المياه.
في تايلاند، ساعد مشروع “ناما للأرز”، بدعم من الوكالة الألمانية للتنمية، في توعية المزارعين بالتغير المناخي وإدخال تقنيات الزراعة المستدامة على نطاق واسع.

دور الأسواق والمستهلكين

تلعب الشركات الكبرى والمستهلكون دورًا محوريًا في التحول نحو الأرز المستدام.
فقد أطلقت مبادرات مثل “تحالف الرواد الأوائل للأغذية” (First Movers Coalition for Food) لتشجيع الطلب على المنتجات الزراعية منخفضة الكربون.
كما أطلقت شركات مثل Bayer وIndigo Ag وTilda مشاريع لخفض انبعاثات الميثان، وتحسين صحة التربة، وتوفير حوافز مالية للمزارعين عبر أسواق الكربون.

زراعة الأرز الجاف
زراعة الأرز

تعاون عالمي لإنقاذ الغذاء الأبيض

إنّ تحقيق زراعة أرز مستدامة يتطلب تعاونًا بين العلماء والمزارعين والحكومات والقطاع الخاص.
فالمزارع لا يمكن أن يتحمل وحده تكلفة التحول، كما أن النظام الغذائي بأكمله بحاجة إلى إعادة هيكلة شاملة تجعل الأرز أكثر صمودًا في وجه المناخ وأقل عبئًا على البيئة.
الأرز، الذي كان يومًا رمزًا للخصب والوفرة، أصبح اليوم اختبارًا لقدرة العالم على التوفيق بين الأمن الغذائي وحماية الكوكب.

مقالات ذات صلة

‫5 تعليقات

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading