كشف علماء الآثار، بعد أربعة ساعات شمال ليما، عن مدينة بيينيكو التي يعود تاريخها إلى نحو 3,800 عام، والتي شيدها سكان حضارة كارال.
وظلت هذه المدينة الصحراوية مطمورة تحت الرمال لآلاف السنين، قبل أن تظهر اليوم بما تحمله من ساحات ومعابد ومنحوتات تعيد تشكيل فهمنا للحياة المبكرة في الأمريكتين.
وتُظهر بيينيكو كيف واجه هذا المجتمع الحضري القديم الضغوط المناخية دون اللجوء إلى الصراع.
وتكشف المزامير المصنوعة من عظام البجع، والساحات المقاومة للزلازل، والمساحات المخصصة للاجتماعات العامة، عن مجتمع اعتمد على التعاون والطقوس في زمن الأزمات.

ويبدو وادي سوبي اليوم جافًا وهشًا، لكنه كان يضم مدينة كارال التي نشأت قبل خمسة آلاف عام، وتُعدّ أقدم مركز حضاري معروف في الأمريكتين.
ويحظى موقع كارال-سوبي بحماية باعتباره موقع تراث عالمي لتميزه الثقافي.
قاد أعمال الكشف الدكتورة روث شادي، مديرة المنطقة الأثرية في كارال بوزارة الثقافة البيروفية، التي تركز أبحاثها على نشأة المدن الأولى في وسط جبال الأنديز وكيفية إدارتها وتكيّفها مع التغيرات المناخية.
ومن موقعها في وادي سوبي، لعبت كارال دورًا محوريًا في ربط الساحل الهادئ بسهول الجبال والغابات البعيدة عبر شبكات تبادل واسعة.

الدين والطقوس وتنظيم التجارة أكثر من على العنف المنظم
وتوضح منشورات رسمية أن المزارعين كانوا يرسلون القطن والفاكهة والفلفل الحار إلى المناطق الساحلية، مقابل الحصول على الأسماك والأخشاب وريش الطيور الملون والقرود التي أصبحت رموزًا للمكانة الاجتماعية.
وبخلاف العديد من الحضارات اللاحقة، لم تُحط كارال نفسها بالأسوار، ولم تُخزن الأسلحة في مبانيها الضخمة، كما تشير الأبحاث إلى غياب الأسلحة والتحصينات والمقابر الجماعية، ما يدل على أن السلطة اعتمدت على الدين والطقوس وتنظيم التجارة أكثر من اعتمادها على العنف المنظم.

وتأسست بيينيكو بعد قرون من تراجع أهرامات كارال، لتصبح مركزًا جديدًا في وادي سوبي الأوسط، على أرض أعلى وأكثر اعتدالًا في مناخها. وتربط دراسات مشروع كارال نشأة المدينة، نحو عام 1800 قبل الميلاد، بالمرحلة الأخيرة من حضارة كارال.
وتقع المدينة على شرفة واسعة بالقرب من نبع مياه ثابت، وقريبة من واديي سوبي وهواورا، مما سمح للقوافل القادمة من الجبال والساحل وحافة الأمازون بالالتقاء في مكان واحد، لتصبح مركزًا للاندماج الاجتماعي بدلًا من موقع دفاعي.

ووُثّقت في الموقع 18 منشأة كبرى تضم مباني عامة مدرجة ومناطق سكنية كثيفة وساحات دائرية ومربعة.
كما ضم أحد المعابد نقوشًا تمثل أبواق الصدف، بينما صُمم مركز للزوار على شكل دائري يحاكي الساحات الغائرة القديمة.
ساحات مقاومة للزلازل
وتحتوي بعض الساحات على مساحات مفتوحة مستوية يُعتقد أنها ساحات مقاومة للزلازل، صممت لحماية الأرضيات خلال الهزات القوية، عبر حواف حجرية وردم مضغوط وتخطيط هندسي دائري يدل على تعامل المجتمع مع الزلازل بوصفها مشكلة هندسية لا قوة خارقة.

وفي كارال، تكشف المسرحيات والساحات الدائرية عن اهتمام كبير بالصوت والحركة أثناء الطقوس، حيث تشير طبيعة البناء المدرّج إلى قدرته على توجيه الحشود واستقرار الأرض في منطقة تشهد نشاطًا زلزاليًا كبيرًا.
وكشفت الحفريات أيضًا عن 32 مزمارًا مستعرضًا صُنع من عظام البجع أو نُقش عليها صور القردة والكوندور، في دلالة على روابط مع السواحل والغابات، إذ لا تجتمع هذه الحيوانات في بيئة واحدة.
وأوضحت شادي أن هذه الآلات كانت تُستخدم لاستقبال مجموعات من الساحل والجبال والغابات، ضمن طقوس تهدف إلى تعزيز الانسجام الاجتماعي.
وفي بيينيكو، اكتشف الباحثون تماثيل طينية غير محروقة، وقلائد مصنوعة من الصدف والحجارة، إضافة إلى عظام منقوشة، بينها عظمة منحوتة على هيئة جمجمة بشرية.
كما وُجدت منحوتة لوجه امرأة بشعر مفصل ووجه مطلي بالهيماتيت الأحمر، ما يشير إلى دور اللون في التعبير عن المكانة والعقيدة.

موجات جفاف وفيضانات
وقد واجهت المنطقة قبل أربعة آلاف عام اضطرابات مناخية شديدة أدت إلى موجات جفاف وفيضانات أضرت بالوادي الساحلي. وتربط دراسات مناخية بين تغيرات هطول الأمطار وظروف المحيط وأزمات ضربت عدة مجتمعات أنديزية اعتمدت على الري.
وتُظهر الطبقات الأثرية أن العديد من المراكز الحضرية الكبيرة جرى التخلي عنها تدريجيًا بعد تراجع مياه الأنهار وفشل المحاصيل.

وانتقل بعض السكان إلى السواحل وركزوا على الصيد، كما يظهر في موقع فيتشاما وغيره، بينما اختارت بيينيكو نهجًا مختلفًا، بالاقتراب من مصادر المياه العذبة من دون التخلي عن شبكات التبادل.
وبُنيت المدينة على شرفة مرتفعة تتغذى من نبع ومياه ذوبان الجبال، في توازن بين الأرض الزراعية والحماية من فيضانات الوادي.
وقالت شادي إن بيينيكو واصلت تقاليد كارال في “العيش بتناغم مع الطبيعة واحترام الثقافات الأخرى”، حيث يعكس موقعها وهندستها قيادة فضلت التعاون والتخطيط المائي والطقوس بدلًا من الاستيلاء على الأراضي بالقوة.

دروس للحاضر
وتشير هذه التجربة القديمة إلى دروس للحاضر، إذ تعتمد بيرو اليوم على الجليد والثلوج في جبال الأنديز لتغذية أنهارها التي تعبر سواحلها الصحراوية.
وتوضح تقارير حكومية أن البلاد فقدت نحو 56% من أنهارها الجليدية الاستوائية خلال ستة عقود، ما أدى إلى انخفاض تدفقات المياه في موسم الجفاف.
ومع تراجع الجليد وتزايد الضغوط على السكان، قد تواجه مجتمعات المناطق الجافة خيارات تشبه تلك التي واجهتها كارال وبيينيكو: الانتقال، أو إعادة تنظيم استخدام المياه، أو إعادة تخطيط المدن وفق واقع مناخي جديد.

وترى شادي أن مواجهة تغير المناخ تتطلب رؤى جديدة تدعم جودة الحياة والاحترام المتبادل.
ولا تقدم ساحات بيينيكو ومزاميرها العظمية حلولًا مباشرة لعصرنا، لكنها تكشف مجتمعًا واجه الأزمات بالتعاون والمساحات المشتركة، ما يوضح أن الاستقرار يمكن أن ينمو من العمل الجماعي حتى في ظل المتغيرات البيئية.





