أظهرت دراسة حديثة أن أنشطة البشر تسببت في إزالة ربع الكربون الذي كان يمكن أن يظل مخزنًا في النباتات والطبقة السطحية من التربة بعمق 30 سنتيمترًا. ويعادل ذلك نحو 344 مليار طن متري من الكربون.
وخلص الباحثون إلى أن توسع المراعي، والزراعة المكثفة، وإدارة الغابات هي المحركات الرئيسية لهذه الخسارة، مشيرين إلى أن النماذج العالمية الشائعة لا تعكس بدقة حجم العجز، إذ تتجاهل في المتوسط نحو 37%.
اعتمدت الدراسة على خريطة عالية الدقة بُنيت من صور الأقمار الصناعية، وسجلات تاريخية لاستخدام الأراضي، إلى جانب تقنيات الذكاء الاصطناعي. ونُشرت نتائجها في مجلة One Earth.
لماذا يهم فقدان الكربون؟
يشير العلماء إلى أن الغطاء النباتي والتربة معًا يخزنان كربونًا يفوق ما يحويه الغلاف الجوي، ما يجعل دورهما محوريًا في تنظيم حرارة الأرض وتقليل المخاطر المناخية.
ويتم تقييم الكربون في التربة عادة في الطبقة العليا، لأنها الأكثر تأثرًا بالحرث والتصريف والتعرية، ويجري رصدها عالميًا ضمن مبادرة GSOCmap التابعة لمنظمة الأغذية والزراعة (فاو).
كيف جرى القياس؟
قارن الباحثون بين المخزون الحالي للكربون وبين المخزون المحتمل تحت الظروف المناخية الراهنة لو لم تُغير الأنشطة البشرية النظم البيئية. هذا الفارق يوضح حجم الكربون الذي فُقد بسبب إزالة الغابات، والرعي، والزراعة، والاستخدام المكثف للغابات.
جرى تدريب النماذج على مناطق محمية وأخرى قليلة التأثر بالأنشطة البشرية، ثم توقعت المخزون المحتمل للنباتات والكربون العضوي في التربة بدقة مكانية تبلغ نحو كيلومتر واحد.
ذلك سمح بتحديد مصادر الفقد وربطها بأنماط استخدام الأراضي، ومقارنة النتائج بالنماذج المتداولة عالميًا.
وقالت البروفيسور جوليا بونغراتس، أستاذة الجغرافيا الفيزيائية وأنظمة استخدام الأراضي بجامعة لودفيغ ماكسيميليان في ميونخ: «دراستنا تكشف الأثر البعيد المدى للأنشطة البشرية على دورة الكربون العالمية، وتوفر رؤى مهمة لسياسات المناخ».
ماذا تكشف الخريطة الجديدة؟
الخريطة لا تقيس الانبعاثات السنوية، بل تحدد مقدار الكربون المفقود من النظم البيئية مقارنة بما يمكن أن تخزنه لو بقيت سليمة تحت الظروف المناخية الحالية.
هذا العجز مهم لأنه يحدد سقف إمكانيات الاستعادة، ويوضح المناطق التي يمكن أن تحقق حماية إضافية كبيرة، ويكشف أيضًا الهامش المتاح لمشروعات إزالة الكربون عبر الأراضي دون الإضرار بإنتاج الغذاء أو الألياف.
لماذا أخطأت النماذج السابقة؟
تعامل معظم النماذج البيئية مع تغيرات البيئة واستخدام الأراضي بطرق تؤدي أحيانًا إلى ميزانيات غير دقيقة.
فقد أظهرت دراسات سابقة أن النماذج تُبالغ في تقدير قدرة الأراضي على امتصاص الكربون، بينما تقلل من الانبعاثات الناتجة عن الاستخدام البشري، خاصة في المناطق التي أدت فيها الأنشطة المتكررة إلى تدهور النظم البيئية وفقدان مخزونها.
العمل الجديد يقلل هذه الفجوة عبر الاعتماد على كثافات كربون مستندة إلى المشاهدات الميدانية، ويقدم أساسًا أكثر اتساقًا لإعادة ضبط النماذج المستقبلية ولتحسين آليات التحقق من مشروعات الكربون.
أين اختفى الكربون؟
أظهر التحليل أن توسع المراعي يمثل السبب الأكبر لفقدان الكربون عالميًا، لأنه يستبدل الغطاء النباتي الخشبي ويمنع إعادة نموه.
تأتي الأراضي الزراعية في المرتبة التالية، إذ يؤدي تحويل الغابات والأراضي الطبيعية إلى حقول إلى تقليل الكتلة الحيوية، كما يقلل في كثير من الأنظمة من الكربون العضوي في التربة بسبب الحرث وإزالة بقايا المحاصيل.
وتشير البيانات إلى أن ما يقرب من ثلث مساحة اليابسة على الكوكب تغيرت منذ ستينيات القرن الماضي، مدفوعة بتوسع الزراعة في الجنوب العالمي وتغير أساليب الإدارة في مناطق أخرى.
كما أثبتت أدلة مستقلة أن ممارسات الغابات الحديثة، بما في ذلك القطع المتكرر، تقلل من الكربون في التربة وتبطئ تعافيه.
ماذا يعني ذلك للسياسات المناخية؟
تكشف النتائج عن مسارين مختلفين:
الكربون النباتي يمكن أن يتعافى خلال سنوات أو عقود بمجرد تخفيف الضغوط وعودة الغابات.
الكربون في التربة يتعافى بشكل أبطأ، وقد يصل إلى مرحلة استقرار إذا لم تتغير أساليب الإدارة الزراعية.
لذلك، فإن حماية النظم البيئية الغنية بالكربون أولوية قصوى لتجنب فقدان إضافي، بينما تتيح جهود الاستعادة المدروسة فرصة لإعادة بناء المخزون حيثما كان ذلك ممكنًا دون تعارض مع احتياجات الغذاء.
كما تبرز الحاجة إلى نظم ائتمان كربوني تفصل بوضوح بين التعافي الفعلي ومنع الخسائر الجارية.
الطريق إلى الأمام
الخريطة الجديدة تمثل أداة توجيهية وليست وصفة جاهزة، فهي تشير إلى المناطق التي يُحتمل أن تحقق استعادة الكربون نتائج ملموسة، وأخرى قد تكون مكاسبها محدودة.
كما تساعد على تقييم مشروعات الكربون بصدق عبر المقارنة مع خط أساس مناسب يعكس المخزون الممكن، بدلًا من الاكتفاء بمقارنة وضع متدهور مع تحسن جزئي. وهذا يعزز معايير الإضافية والاستمرارية وتقليل التسرب في المشروعات.
ورغم أن بعض المناطق، خاصة تلك التي تفتقر إلى سجلات تاريخية دقيقة، ما زالت تحمل قدرًا من عدم اليقين، فإن التقديرات توفر حدًا أدنى واضحًا لكمية الكربون التي أزالها البشر من النظم البيئية الأرضية.
ما القادم؟
من المتوقع أن تدمج مشاريع المقارنة بين النماذج هذه القيود الجديدة المستندة إلى المشاهدات، لتعيد تقييم ميزانيات الكربون المتبقية.
كما ستحتاج الدول إلى مراجعة قوائمها الوطنية لمخزون الكربون في ضوء الخرائط عالية الدقة المعتمدة على بيانات موحدة.
وسيكون على مطوري مشروعات الكربون استخدام هذه الخرائط لتحديد المناطق التي يجب عدم التدخل فيها بقدر ما تحدد أين يمكن التدخل.
وعندما تُدار الجهود بشكل جيد، فإن أعظم المكاسب ستأتي من مزيج متوازن بين الحماية، والاستعادة، والإدارة الذكية للأراضي بدلًا من مطاردة مؤشر واحد.
