ألياف الفاكهة تفتح بابًا جديدًا للطب.. مركبات نباتية تعطل قدرة البكتيريا والسرطان على الانتشار
من مخلفات العصائر إلى الطب.. علماء يكتشفون دورًا واعدًا لبكتين الفواكه في مكافحة الأمراض
لطالما اعتمدت مواجهة البكتيريا خلال عصر المضادات الحيوية على استراتيجية مباشرة: قتل البكتيريا. لكن فريقين بحثيين في ألمانيا والبرازيل يختبران مسارًا مختلفًا وأكثر هدوءًا، يعتمد على مركبات مشتقة من النباتات لا تستهدف قتل الخلايا البكتيرية، وإنما تعطيل الآليات الجزيئية التي تساعد مسببات المرض على الالتصاق بالأنسجة أو الانتشار داخل الجسم.
وتكتسب هذه الاستراتيجية أهمية خاصة مع تصاعد مشكلة مقاومة المضادات الحيوية، التي جعلت بعض أنواع العدوى أكثر صعوبة في العلاج، ودَفعت الباحثين إلى البحث عن طرق جديدة لمواجهة البكتيريا دون ممارسة الضغط التطوري نفسه الذي قد يدفعها إلى تطوير مقاومة للأدوية.
وقد عرض باحثون من جامعة مونستر الألمانية والجامعة الفيدرالية في ميناس جيرايس البرازيلية جانبًا من نتائجهم خلال فعالية FAPESP Week Germany التي أقيمت في برلين.
استراتيجية أقدم من المضادات الحيوية

استخدم الإنسان النباتات والفواكه في علاج الأمراض قبل ظهور الأدوية الحديثة بوقت طويل، لكن العلم الحديث بدأ مؤخرًا في تفكيك الآليات التي قد تفسر سبب فاعلية بعض هذه المواد الطبيعية.
ويبحث العلماء حاليًا في مركبات نباتية يمكنها تعطيل بعض العمليات التي تحتاج إليها البكتيريا أو الخلايا السرطانية كي تستقر وتنتشر.
منع البكتيريا من الالتصاق

ركز فريق جامعة مونستر على المثانة، حيث تمثل بكتيريا الإشريكية القولونية (E. coli) السبب الأكثر شيوعًا لعدد كبير من حالات عدوى المسالك البولية.
ويصيب هذا النوع من العدوى مئات الملايين من الأشخاص سنويًا حول العالم، وتتعرض النساء له بصورة خاصة.
أنشأ الباحثون نماذج للعدوى واختبروا مستخلصات مائية لنباتات ارتبط استخدامها منذ فترة طويلة بالطب الشعبي الأوروبي، من بينها نبات القضبان الذهبية العملاقة (Solidago gigantea) وذيل الحصان (Equiseti herba).
وأظهرت الاختبارات أن هذه المستخلصات قللت بصورة كبيرة من قدرة البكتيريا على الالتصاق بخلايا المثانة البشرية.
وأوضح الباحث أولريش دوبراينت أن الفريق رصد انخفاضًا حادًا في قدرة الميكروب على الالتصاق بالخلايا.
وهنا تكمن الفكرة الأساسية: فبدلًا من قتل البكتيريا، يحاول الباحثون تعطيل قدرتها على الإمساك بالأنسجة والبدء في العدوى.
وتستخدم بكتيريا E. coli أليافًا دقيقة تشبه الشعيرات، تحمل بروتينًا يعرف باسم FimH، لمساعدتها على الإمساك بجدار المثانة.
وعندما تُعطّل هذه الآلية، تصبح البكتيريا أقل قدرة على تثبيت نفسها في الأنسجة، وهو ما قد يصعّب بدء العدوى أو استمرارها.
لماذا قد يكون عدم قتل البكتيريا مهمًا؟
تقوم المضادات الحيوية التقليدية، في كثير من الحالات، بقتل البكتيريا أو إيقاف نموها. لكن القضاء على البكتيريا يمكن أن يفرض ضغطًا انتقائيًا يدفع بعض السلالات إلى البقاء والتكاثر إذا امتلكت طفرات أو آليات مقاومة.
أما تعطيل عوامل الضراوة، مثل الالتصاق بالأنسجة، فيستهدف قدرة البكتيريا على إحداث المرض بدلًا من استهداف بقائها مباشرة.
ولهذا يرى الباحثون أن مثل هذه الاستراتيجيات قد تفرض ضغطًا تطوريًا أقل باتجاه ظهور المقاومة، رغم أن هذه الفرضية تحتاج إلى مزيد من الاختبارات لإثبات مدى فعاليتها على المدى الطويل.
من البكتيريا إلى السرطان.. دور مختلف لألياف الفاكهة
على مسافة آلاف الكيلومترات، يدرس فريق بحثي في جامعة ساو باولو البرازيلية نوعًا آخر من المركبات النباتية: البكتين.
والبكتين ألياف غير قابلة للهضم توجد في العديد من الفواكه، ومنها البابايا وفاكهة الباشن والحمضيات.
ورغم أن الجهاز الهضمي لا يهضم هذه الألياف بالكامل، فإنها يمكن أن تؤثر في البيئة الداخلية للقولون وفي الميكروبات الموجودة في الأمعاء.
ويركز الباحثون بصورة خاصة على قدرة البكتين المعدّل على الارتباط ببروتين يعرف باسم غالاكتين-3 (Galectin-3).
وهذا البروتين له أدوار متعددة في الجسم، وقد ارتبط في الأبحاث المتعلقة بالسرطان بعمليات تساعد الخلايا السرطانية على التفاعل والتجمع والانتشار.
ويحاول الباحثون استغلال قدرة البكتين المعدّل على الارتباط بهذا البروتين، بما قد يؤدي إلى إعاقة بعض العمليات المرتبطة بسلوك الخلايا السرطانية.
تعديل البكتين لزيادة فاعليته
لكن البكتين الطبيعي ليس دائمًا بالشكل الأمثل لهذا الاستخدام.
وأظهرت تجارب الباحثين أن سلاسل البكتين الطويلة والمتفرعة يمكن أن تكون أقل فاعلية، كما أن عملية نضج الفاكهة تؤثر في خصائص هذه المركبات.
لذلك لجأ العلماء إلى تعديل جزيئات البكتين في المختبر وتقليص سلاسلها بهدف تحسين قدرتها على أداء الوظيفة المستهدفة.
وهذا لا يعني أن تناول الفاكهة أو البكتين الطبيعي يعادل علاجًا للسرطان، وإنما يشير إلى أن بعض مكونات الفاكهة يمكن أن تصبح نقطة انطلاق لتطوير مركبات أو منتجات علاجية مستقبلية.
إنقاذ الألياف من مخلفات مصانع العصائر
ومن أكثر الجوانب إثارة للاهتمام في هذا البحث أن المادة الخام لا تحتاج بالضرورة إلى أن تأتي من فاكهة مخصصة للاستخدام الدوائي.
فريق البحث يستخلص البكتين من الطبقة البيضاء الداخلية للحمضيات والباشن، والمعروفة باسم albedo، وهي جزء من الثمرة تتخلص منه مصانع إنتاج العصائر عادة باعتباره من المخلفات.
وبذلك يجمع المشروع بين مجالين في وقت واحد: البحث الطبي والاقتصاد الدائري.
فبدل أن تتحول بقايا تصنيع العصائر إلى نفايات، يمكن استغلالها كمصدر لمركبات ذات قيمة مضافة، إذا أثبتت الدراسات المستقبلية سلامتها وفعاليتها.
البكتين والغذاء والميكروبيوم

لا يقتصر الاهتمام بالبكتين على تفاعله المحتمل مع الخلايا السرطانية.
فداخل الأمعاء، يمكن للبكتين أن يكون مصدرًا غذائيًا لبعض الكائنات الدقيقة المفيدة، التي تعمل على تخميره وإنتاج الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة.
وتلعب هذه المركبات دورًا مهمًا في بيئة القولون، بما في ذلك توفير مصادر للطاقة لخلايا القولون والمساهمة في تنظيم بعض العمليات الالتهابية.
ولهذا ينظر الباحثون إلى البكتين المعدّل باعتباره مادة قد تجمع مستقبلًا بين أكثر من وظيفة، تشمل التأثير في الميكروبيوم والتفاعل مع بعض البروتينات المرتبطة بالمرض.
من المختبر إلى الغذاء
قطعت الأبحاث بالفعل خطوات باتجاه استغلال هذه المواد تجاريًا؛ إذ حصل الفريق على براءة اختراع تتعلق باستخلاص البكتين من الفواكه اللينة، بينما يجري العمل على طلب براءة اختراع أخرى تتعلق بمخلفات فاكهة الباشن.
ويتصور فريق الباحثين إمكانية إنتاج مسحوق غني بالبكتين المعدّل يمكن استخدامه مستقبلًا كمكمل غذائي أو كمكوّن في بعض المنتجات الغذائية.
لكن الطريق من المختبر إلى الاستخدام الطبي لا يزال طويلًا.
فالدراسات الحيوانية تشير إلى إمكان استخدام البكتينات المعدّلة كعامل مساعد في أبحاث علاج سرطان القولون، وكذلك في دعم استقرار ميكروبيوم الأمعاء، إلا أن هذه النتائج لا تكفي لإثبات فعاليتها أو سلامتها لدى البشر.
ألياف الفاكهة.. سلاح جديد أم بداية طريق؟
رغم اختلاف المشروعين الألماني والبرازيلي، فإنهما ينطلقان من فكرة مشتركة: ليس من الضروري دائمًا قتل العامل الممرض أو مهاجمة الخلايا بصورة مباشرة حتى نحد من قدرتها على إحداث الضرر.
في حالة العدوى، يحاول الباحثون منع البكتيريا من الالتصاق بالأنسجة واستخدام أدواتها الجزيئية لبدء المرض.
وفي أبحاث السرطان، يحاول العلماء تعطيل بعض التفاعلات الجزيئية التي قد تساعد الخلايا السرطانية على التجمع والانتشار.
كما أن استخدام مخلفات الفاكهة كمصدر للبكتين يضيف بعدًا بيئيًا واقتصاديًا، إذ يمكن تحويل أحد مخلفات صناعة الأغذية إلى مادة أولية ذات قيمة محتملة في التكنولوجيا الحيوية والطب.
ومع ذلك، فإن هذه النتائج لا تعني أن ألياف الفاكهة أصبحت علاجًا للعدوى أو السرطان. فالجزء الأكبر من الأدلة المطروحة لا يزال قائمًا على التجارب المخبرية أو الدراسات الحيوانية، بينما تظل التجارب السريرية على البشر ضرورية لمعرفة الجرعات المناسبة، والسلامة، ومدى الفاعلية، وما إذا كانت هذه المركبات تستطيع تحقيق النتائج نفسها داخل جسم الإنسان.
وقد عُرضت النتائج خلال FAPESP Week Germany، ونقلتها وكالة FAPESP البرازيلية في تقرير حول الدراسات التي تبحث التأثيرات الصحية للمركبات الحيوية النشطة المستخلصة من النباتات.
الخلاصة: المستقبل المحتمل لألياف الفاكهة لا يكمن فقط في قيمتها الغذائية، بل ربما في قدرتها على أن تصبح مادة خام لتطوير أدوات جديدة في الطب، خصوصًا إذا تمكن الباحثون من تحويل خصائصها الجزيئية إلى منتجات آمنة وفعالة مثبتة سريريًا.





