أشجار المدن لا تبرّد الجو فقط.. بل تحسّن المناعة وتعزز رفاهية السكان
مستقبل المدن الصحية يبدأ بزراعة ذكية ومراعية للتنوع
البنية الخضراء الذكية تحارب الفيضانات وتسهم في شيخوخة صحي
المساحات الخضراء الحضرية لا تقتصر على تجميل المدن فحسب، بل تحسّن جودة الهواء، وتبرّد الشوارع المُحاصرة بالحرارة، وتمتص مياه الفيضانات، وتوفّر الراحة للسكان المُنهَكين.
أظهرت دراسة حديثة أجراها باحثون في معهد كارلسروه للتكنولوجيا كيف تؤثر مجموعات الأشجار المتنوعة والبنية التحتية الخضراء بشكل مباشر على مرونة المناطق الحضرية ورفاهية الإنسان.
من خلال مشروعي FutureBioCity وGrüneLunge (الرئة الخضراء)، يُظهر علماء المعهد أن المدن لا تحتاج فقط إلى المزيد من المساحات الخضراء، بل إلى مساحات خضراء أكثر ذكاءً وتنوعًا.
وركّز الباحثون على نمذجة البنية التحتية الخضراء في مدينة كارلسروه.

الحدائق التي تضم أنواعًا عديدة من الأشجار
استكشف مشروع “مدينة المستقبل الحيوية” ما يجعل الحدائق العامة جذابة. وصرّح الدكتور سوميد ساها، الباحث الرئيسي في المعهد: “أردنا أن نفهم كيف يختار الناس الحدائق العامة، وما هو دور بنية وتكوين الغابات الحضرية وشبه الحضرية في هذا الاختيار”.
مزج فريقه بين العمل الميداني البيئي والمسوحات الاجتماعية، وأفاد معظم الناس بأنهم شعروا بتحسن في الحدائق التي لمسوا فيها تنوعًا كبيرًا في أنواع الأشجار.
وأضاف ساها: “هذا يدل على أن المتنزهات المستقبلية يجب أن تكون مصممة لتكون متنوعة وطبيعية قدر الإمكان حتى تجذب الناس”.
ورغم أن البيانات لا تؤكد حتى الآن ما إذا كان التنوع في حد ذاته يُحسّن الصحة العقلية، فإن التفضيل القوي للتنوع يشير إلى مبدأ تصميم واضح للتخطيط الحضري في المستقبل.

الأشجار الحضرية تقلل من الحرارة والفيضانات
المساحات الخضراء لا تُحسّن المزاج فقط، بل تساعد المدن على إدارة مخاطر المناخ. فالمناطق المُغطاة بالخرسانة تحبس الحرارة وتصدّ مياه الأمطار، مما يؤدي إلى جزر حرارية حضرية وفيضانات مفاجئة.
قام مشروع GrüneLunge بنمذجة كيفية مساهمة الأشجار والمستنقعات البيولوجية (الخنادق المزروعة التي تمتص الماء) في الحد من هذه الآثار. أجرى الفريق محاكاة لمدة خمس سنوات في 27 مقاطعة بكارلسروه باستخدام نموذج i-Tree HydroPlus.
أظهرت النتائج أن زيادة الغطاء الشجري بنسبة 30% وتوجيه مياه الجريان السطحي إلى المستنقعات البيولوجية أدى إلى تحسينات ملحوظة: انخفاض ساعات الحر الشديد بنسبة 64.5%، وانخفاض جريان المياه بنسبة 58%. وكانت هذه التأثيرات أقوى في المناطق التي تقل فيها المساحات الخضراء.

رطوبة التربة تؤثر على أداء الأشجار
تختلف فوائد التبريد والصرف باختلاف حالة التربة. فالتربة الجافة تساعد الأشجار على امتصاص المزيد من المياه، مما يقلل من خطر الفيضانات.
مع ذلك، تعزز التربة الرطبة التبريد عبر التبخر والنتح، خاصة خلال موجات الحر. وهذا يُظهر تناقضًا في كيفية نشر البنية التحتية الخضراء: فرطوبة التربة تؤدي إلى نتائج مختلفة.
من النتائج المهمة الأخرى أن الأشجار تُقدّم فوائد تبريد ليلية كبيرة. إذ تُخفّض مظلات الأشجار تراكم الحرارة السطحية خلال النهار، مما يُخفّض درجات الحرارة ليلًا بما يصل إلى 5.5 درجات مئوية بين منتصف الليل والفجر.

إعطاء الأولوية للمجتمعات الضعيفة
شهدت بعض مناطق كارلسروه، مثل بالمباخ، مكاسب كبيرة من التشجير نظرًا لقلة الغطاء الشجري في البداية. بينما استفادت مناطق أخرى، مثل إينينشتات، من ذلك أيضًا، خاصة بعد إضافة قنوات الري البيولوجية.
يوصي الخبراء بإعطاء الأولوية لكبار السن والمجتمعات المعرضة للخطر في تخطيط المناخ. ويسهم ربط زراعة الأشجار بالبيانات الديموغرافية في جعل المدن أكثر أمانًا وعدالة.

لكن هناك تحذير: يعتمد بقاء الأشجار على الماء. خلال الجفاف، لا تستطيع الأشجار تبريد الهواء إذا لم تحصل على رطوبة كافية. وهذا يجعل تخطيط الري أمرًا بالغ الأهمية لتحقيق النجاح على المدى الطويل.

الطبيعة تدعم الشيخوخة الصحية
بينما تركز هذه الدراسات على البنية التحتية المادية، فإنها ترتبط بمواضيع أوسع في علم الشيخوخة. تشرح دراسة منفصلة كيف يؤدي ضعف الحواجز المعوية وتناقص التنوع الميكروبي إلى التهابات جهازية تُضعف الإدراك وتؤدي للوهن والمرض.
قد يرتبط الوصول إلى المساحات الخضراء بصحة الميكروبيوم بطرق غير متوقعة. فقضاء الوقت في بيئات متنوعة بيولوجيًا قد يُعرض الناس لميكروبات تعزز الصحة المناعية. كما أن تناول الألياف والبروبيوتيك والبوليفينولات يُمكن أن يدعم الشيخوخة الصحية للأمعاء.
ويقترح الباحثون تصميم هذه الاستراتيجيات بما يتناسب مع العمر والجنس ونوع الأمعاء، تمامًا كما ينبغي لخطط زراعة الأشجار أن تراعي التركيبة السكانية والبيئة المحلية.

المناطق الحضرية تحتاج إلى أشجار متنوعة
وتشير هذه النتائج إلى فكرة مركزية: المدن الصحية والأجسام الصحية تحتاج إلى التنوع والمرونة والتصميم المدروس.
يمكن للبنية التحتية الخضراء المتنوعة أن تقلل من خطر الفيضانات، وتخفض الحرارة، وترفع المعنويات. كما أن التنوع الميكروبي في الجسم يُبطئ الشيخوخة ويقي من الأمراض.
إذا أرادت المدن الصمود في وجه ارتفاع درجات الحرارة وشيخوخة السكان، فعليها التعامل مع الأشجار والميكروبات كحلفاء، لا كإضافات، وكلما سارعت المدن في التحرك، زادت قوتها.
ونُشرت النتائج في مجلات “Scientific Reports” و”Cities” و”Sustainable Cities and Society”.





