أهم الموضوعاتأخبارالاقتصاد الأخضر

تحليل عالمي: 87% من أرصدة الكربون لا تعكس خفضًا حقيقيًا للانبعاثات

بحث علمي جديد يفضح فجوات مشروعات تعويض الكربون بالغابات.. تبالغ في أثرها المناخي

كشفت دراسة علمية واسعة أن أغلب مشروعات تعويض الكربون عبر حماية الغابات، المعروفة اختصارًا باسم REDD+، تبالغ في تقدير تأثيرها الفعلي على الحد من تغيّر المناخ، وأن معظمها لا يحقق التخفيضات الحقيقية التي تعلن عنها في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.
الدراسة التي نُشرت في دورية Science المرموقة، أعدها فريق دولي من العلماء بقيادة مختبر قوانغدونغ للذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي في الصين، بمشاركة البروفيسور جوناثان تشايس من مركز الأبحاث الألماني للتنوع البيولوجي (iDiv) وجامعة مارتن لوثر فيتنبرج، ووصفتها المجلة بأنها “تحليل غير مسبوق لفعالية آلية الكربون الأكثر انتشارًا في العالم النامي”.

خلفية عن نظام REDD+

تُعد مبادرة Reducing Emissions from Deforestation and forest Degradation (REDD+) إحدى الركائز الرئيسة في سياسات المناخ العالمية، إذ تهدف إلى مكافأة الدول الاستوائية التي تنجح في تقليل إزالة الغابات أو وقف تدهورها، باعتبار أن الغابات تمتص كميات ضخمة من ثاني أكسيد الكربون.
وتعتمد الفكرة على إصدار “أرصدة كربونية” قابلة للتداول في الأسواق، تشتريها الشركات أو الحكومات لتعويض جزء من انبعاثاتها.
لكن منذ سنوات، تتعرض هذه السوق لانتقادات متزايدة بسبب ضعف الشفافية، والمبالغة في تقدير الفوائد المناخية.

تعويضات الكربون

منهجية دقيقة لقياس الأثر الحقيقي

حلّل الباحثون بيانات 52 مبادرة REDD+ تشمل 66 وحدة مشروع في 14 دولة استوائية تمتد عبر أمريكا اللاتينية وإفريقيا وجنوب شرق آسيا، جميعها معتمدة من مؤسسة Verra المسؤولة عن “المعيار المعتمد للكربون (VCS)”، وهو أكبر نظام اعتماد لأرصدة الكربون الطوعية في العالم.
واستخدم الفريق أسلوبًا إحصائيًا متطورًا يعرف باسم التحكم التركيبي (Synthetic Control Method)، يقوم على بناء ما يُسمّى “الخط الأساسي الافتراضي”، أي مقارنة المنطقة التي نُفذ فيها المشروع بمناطق أخرى مماثلة من حيث الظروف البيئية والاجتماعية، لكن لم تُطبق فيها أي تدخلات.
وبمقارنة معدلات فقدان الغطاء الحرجي بين المنطقتين، استطاع الباحثون تقدير “الأثر الحقيقي” للمشروع على خفض إزالة الغابات، وبالتالي على الانبعاثات الكربونية.

يقول البروفيسور جوناثان تشايس: “المشكلة حقيقية، لكنها ليست ميؤوسًا منها، عندما نستخدم منهجيات شفافة وموضوعية لبناء خط أساس موثوق، نستطيع تمييز المشروعات التي تُحدث فرقًا فعليًا عن تلك التي لا تقدم سوى وعود على الورق.”

تعويضات الكربون
تعويضات الكربون

النتائج: فائدة محدودة ومبالغة واسعة

أظهرت النتائج أن نحو ثلث المشروعات (32%) فقط نجح في خفض إزالة الغابات مقارنة بالمناطق المرجعية، مع تسجيل مشروعات برازيلية أداءً متميزًا، حيث انخفضت معدلات إزالة الغابات بشكل حاد.
في المقابل، سجلت 17% من الوحدات معدلات إزالة أعلى من المتوقع، أي أن وجود المشروع لم يمنع التدهور، بل رافقه في بعض الحالات.
أما الأخطر، فهو أن 35% من المبادرات بالغت في تقدير معدلات إزالة الغابات التي كانت ستحدث دون تدخل، وهو ما أدى إلى “إصدار أرصدة وهمية” لا تمثل أي خفض حقيقي في الانبعاثات.
ففي كولومبيا مثلًا، وُجد أن بعض المشاريع زعمت معدلات خطر تفوق التقديرات الواقعية بأكثر من عشرة أضعاف.
وبتحليل البيانات المالية لعدد 48 مشروعًا متاحًا للجمهور، تبيّن أنه حتى نهاية عام 2022، تم إصدار 228 مليون رصيد كربوني، استخدم منها 127 مليونًا للتعويض عن انبعاثات الشركات والأفراد.
غير أن 35 مليونًا فقط من تلك الأرصدة، أي نحو 13.2%، تمثل خفضًا فعليًا في الكربون الجوي.

يعلق تشايس قائلًا: “السوق بحاجة إلى أرصدة تعني ما تدّعيه، نحن نقدّر أن واحدًا فقط من كل ثمانية أرصدة كربونية متداولة يمثل خفضًا حقيقيًا للانبعاثات، تحسين خطوط الأساس، وتدقيق البيانات باستقلالية، وتنويع المشروعات البيئية يمكن أن يعيد الثقة إلى السوق.”

الغابات
الغابات

ما وراء الأرقام: أزمة مصداقية تهدد السوق الطوعية

تشير الدراسة إلى أن سوق أرصدة الكربون الطوعية، التي تتجاوز قيمتها مليارات الدولارات سنويًا، تعتمد على الثقة بفاعلية المشاريع.
ومع تزايد الأدلة على المبالغة في الأثر، يتراجع الإقبال من الشركات الكبرى، خصوصًا بعد تحقيقات إعلامية كبرى في 2023 أثبتت أن كثيرًا من أرصدة “فيرا” لا تمثل فوائد بيئية حقيقية.
ويرى الباحثون أن المشكلة لا تكمن في مبدأ تعويض الكربون ذاته، بل في كيفية قياس النتائج والتحقق منها، إذ إن المعايير الحالية تسمح بقدر كبير من التقدير الذاتي من قبل الجهات المنفذة للمشروعات.

إمكانات الإصلاح وبصيص الأمل

رغم الانتقادات القوية، لا يدعو العلماء إلى التخلي عن REDD+، بل إلى إصلاحها، فبحسب تشايس وزملائه، تُظهر النتائج أن بعض المشاريع تحقق بالفعل نتائج إيجابية، وتوفر حماية حقيقية للغابات وتسهم في استقرار المجتمعات المحلية التي تعتمد على مواردها.

ويؤكد الباحثون أن نجاح REDD+ مستقبلاً يتطلب:
– توحيد المعايير الدولية لتقييم الانبعاثات والقياس الميداني.

– تحسين شفافية البيانات وجعلها متاحة للرقابة العامة.

– مراجعة الخطوط الأساسية باستخدام بيانات الأقمار الصناعية والتحليل الإحصائي المستقل.

– دمج المنافع الاجتماعية مثل دعم السكان المحليين وتعزيز العدالة البيئية ضمن آلية التقييم.

“الهدف ليس التخلي عن REDD+، بل إصلاحه حتى يمثل كل طن من الكربون المخفّض حقيقة على الأرض، وليس مجرد رقم في تقرير تسويقي”، كما يختتم تشايس.

دلالات أوسع: الكربون بين الاقتصاد والسياسة

تسلط هذه النتائج الضوء على التحدي الأكبر الذي يواجه سياسات المناخ الدولية: الفجوة بين الأرقام والنوايا.
ففي حين تعتمد الحكومات والشركات الكبرى على أرصدة الكربون لتقديم صورة بيئية إيجابية، تكشف الدراسات المتتالية أن جزءًا كبيرًا من تلك الأرصدة قد لا يعكس خفضًا فعليًا للانبعاثات، ما يعني أن العالم قد يظل بعيدًا عن مسار تحقيق أهداف اتفاق باريس رغم الاستثمارات الضخمة.
ويختم التقرير بتأكيد أن الغابات تظل خط الدفاع الأول ضد تغيّر المناخ، لكن حمايتها لا يمكن أن تُختزل في معاملات محاسبية أو سوق تجارية، بل تتطلب سياسات حقيقية على الأرض، وعدالة بيئية ومناخية شاملة.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading