آثار البلاستيك المدفونة قد تساعد العلماء على تحديد بصمة الإنسان في تاريخ الأرض
من أقنعة كورونا إلى العبوات البلاستيكية.. جزيئات دقيقة قد تحفظ سجلًا للنشاط البشري
قد تتحول جزيئات البلاستيك الصغيرة المدفونة في الرواسب إلى أداة علمية تساعد على تتبع آثار النشاط البشري عبر الزمن، من تطور الصناعات البلاستيكية إلى التغيرات في أنماط الاستهلاك، وربما الأحداث العالمية الكبرى مثل جائحة كوفيد-19.
وتطرح مراجعة علمية حديثة إمكانية استخدام اللدائن الدقيقة بوصفها علامات جيولوجية تسجل التغيرات التي أحدثها الإنسان في بيئة الأرض منذ انتشار المواد البلاستيكية على نطاق واسع خلال القرن العشرين.
وتستند الفكرة إلى أن هذه الجزيئات لا توجد في البيئات البحرية وحدها، بل تنتشر أيضًا في التربة والمياه العذبة والرواسب، ويمكن أن تنتقل بفعل الرياح والمياه لمسافات بعيدة عن مصادر التلوث الأصلية، ثم تستقر داخل طبقات رسوبية مختلفة الأعمار.
لكن تحويل هذا الانتشار إلى سجل جيولوجي موثوق يتطلب إثبات أن أنواع البلاستيك المختلفة تظهر في الطبقات التي تتوافق مع فترات إنتاجها واستخدامها، وأنها تبقى مستقرة بما يكفي بعد دفنها حتى يمكن الاعتماد عليها في إعادة بناء التاريخ البيئي.
ونُشرت المراجعة في دورية Earth-Science Reviews، وأعدها باحثون من معهد لايبنتس لأبحاث بحر البلطيق في فارنيمونده بألمانيا، بالتعاون مع باحثين من جامعة ليستر البريطانية.
ما علاقة اللدائن الدقيقة بتاريخ الأرض؟

يُقسم الجيولوجيون تاريخ الأرض، الذي يمتد لنحو 4.567 مليار سنة، إلى وحدات زمنية جيولوجية تُعرّف من خلال خصائص الصخور والرواسب والتغيرات التي يمكن رصدها في السجل الجيولوجي.
وفي ظل التأثير الواسع للأنشطة البشرية في المناخ والأنظمة البيئية ودورات المواد، اقترحت مجموعة العمل المعنية بالأنثروبوسين، أو «عصر الإنسان»، الاعتراف بهذه المرحلة بوصفها حقبة جيولوجية جديدة تعكس حجم التغيير الذي أحدثه البشر على الكوكب.
غير أن المقترح رُفض في مارس 2024، ولم يُعتمد الأنثروبوسين رسميًا وحدةً زمنية جيولوجية جديدة ضمن المقياس الزمني الدولي، ولا يعني ذلك إنكار التأثير البشري في الأرض، بل يعكس عدم اعتماد المقترح وفق الإجراءات والمعايير الجيولوجية الرسمية.
وفي هذا السياق، يبحث العلماء عن علامات مادية يمكن التعرف عليها في الطبقات الرسوبية وتحديد توقيت ظهورها وانتشارها.
وتقترح الدراسة أن اللدائن الدقيقة قد توفر إحدى هذه العلامات، نظرًا إلى انتشارها الواسع وتنوع أنواعها وأشكالها وتاريخ إنتاجها الصناعي.
ما اللدائن الدقيقة وكيف تصل إلى الرواسب؟
تُعرّف اللدائن الدقيقة بأنها جسيمات بلاستيكية يتراوح حجمها بين ميكرومتر واحد و5 ملليمترات. وينشأ كثير منها عندما تتفتت المنتجات البلاستيكية الأكبر حجمًا بفعل التجوية والعوامل البيئية، بينما يُصنّع بعضها مباشرة بأحجام صغيرة لاستخدامات محددة.
وتشمل مصادرها ألياف الملابس المصنوعة من مواد صناعية، وشظايا العبوات والمنتجات البلاستيكية، والأغشية المستخدمة في تطبيقات مختلفة، فضلًا عن بعض الجسيمات الدقيقة التي تدخل في منتجات استهلاكية.
وبسبب صغر حجمها، يمكن أن تنتقل هذه الجسيمات عبر الهواء والمياه، أو تصل إلى البيئة مع المخلفات، كما قد تبتلعها الكائنات الحية أثناء التغذية.
وبعد انتقالها، يمكن أن تتراكم في التربة ورواسب الأنهار والبحيرات والبيئات البحرية.
ويمنح هذا الانتشار الواسع اللدائن الدقيقة أهمية تتجاوز كونها ملوثًا بيئيًا؛ إذ قد تحمل الرواسب التي تستقر فيها معلومات عن نوع المواد البلاستيكية التي كانت شائعة في فترة معينة، وعن كيفية تغير الإنتاج والاستخدام البشريين بمرور الوقت.
لماذا يمكن أن تصبح اللدائن الدقيقة علامة جيولوجية؟
تستند الفكرة إلى مجموعة من الخصائص التي قد تجعل هذه الجزيئات قابلة للتتبع داخل الرواسب.
أولًا، يمكن أن تُدفن اللدائن الدقيقة داخل طبقات رسوبية متعاقبة، بحيث ترتبط الجسيمات الموجودة في طبقة معينة بالفترة التي ترسبت فيها، شريطة أن تكون الطبقات محفوظة ولم تتعرض لاضطرابات كبيرة.
ثانيًا، تختلف أنواع البوليمرات البلاستيكية وتوزيعاتها وفق تاريخ تطور الصناعات والمنتجات.
ويشير الباحثون إلى أن بعض المواد البلاستيكية القديمة، مثل الباكليت، قد تساعد في التمييز بين الطبقات الأقدم والأحدث؛ فقد كان الباكليت من أوائل أنواع البلاستيك المصنعة، بينما أصبح استخدامه أقل شيوعًا مقارنة بمواد أحدث.
ثالثًا، قد يتيح تنوع أشكال الجسيمات وتركيبها الكيميائي ربطها بمصادر واستخدامات معينة، بما يوفر معلومات إضافية عن النشاط البشري الذي ترك أثره في الرواسب.
ومع ذلك، لا يكفي العثور على جسيم بلاستيكي داخل طبقة رسوبية لتحديد عمرها بدقة، فالجسيمات قد تنتقل بين الطبقات بفعل حركة المياه أو الكائنات الحية أو الاضطرابات الفيزيائية، كما يمكن أن تتغير خصائصها مع الزمن، ولذلك، فإن القيمة الجيولوجية لهذه العلامات تعتمد على إمكان تحديد توقيت ترسبها والتحقق من استقرارها.
هل يمكن أن تسجل الرواسب آثار جائحة كورونا؟
تطرح المراجعة احتمال أن تعكس طبقات الرواسب بعض التغيرات المفاجئة في الاستهلاك والإنتاج، ومن أمثلتها جائحة كوفيد-19 خلال الفترة من 2020 إلى 2022.
فقد ارتبطت الجائحة بزيادة استخدام منتجات مثل الكمامات والقفازات البلاستيكية ومواد التعبئة والتغليف الخاصة بالمطهرات.
وعندما تصل هذه المنتجات إلى البيئة، يمكن أن تتفتت تدريجيًا إلى جسيمات أصغر، ثم تنتقل إلى الرواسب.
ويرى الباحثون أن هذا التغير في أنواع المخلفات وكمياتها قد يترك نمطًا مميزًا يمكن رصده مستقبلًا في بعض السجلات الرسوبية، بما يساعد على ربط التغيرات البيئية بأحداث تاريخية محددة.
لكن هذا الاحتمال لا يعني أن العلماء أثبتوا بالفعل وجود بصمة عالمية واضحة للجائحة داخل الرواسب.
فإثبات ذلك يتطلب عينات مؤرخة بدقة، ومقارنة بين مواقع مختلفة، وتحليلًا يميز الجسيمات المرتبطة بالجائحة عن المخلفات البلاستيكية التي كانت موجودة قبلها أو وصلت إلى البيئة لاحقًا.
من الإنتاج التجاري إلى السجل الرسوبي
تحدد المراجعة خطوات بحثية ضرورية لاختبار ما إذا كانت اللدائن الدقيقة قادرة على توفير سجل عالمي موثوق.
وتتمثل الخطوة الأساسية في تحليل عينات أسطوانية من الرواسب، المعروفة باسم «اللباب الرسوبي»، من مواقع متعددة حول العالم.
وتسمح هذه العينات بدراسة الطبقات المتراكمة عبر الزمن، شريطة إمكان تحديد أعمارها والتحقق من سلامة تسلسلها.
ويريد الباحثون اختبار ما إذا كان توزيع بوليمرات شائعة، مثل البولي بروبيلين (PP) والبولي إيثيلين (PE) والبولي إيثيلين تيرفثالات (PET)، داخل الطبقات الرسوبية يعكس بدقة التسلسل الزمني لإنتاجها التجاري وانتشارها منذ منتصف القرن العشرين.
وإذا تطابق سجل الرواسب مع تاريخ الإنتاج والاستخدام على نحو متكرر في مواقع مختلفة، فقد يصبح من الممكن استخدام هذه الجزيئات لتحديد فترات زمنية أو تتبع التحولات الصناعية والاستهلاكية.
لكن الاختبار لن يقتصر على التعرف إلى أنواع البلاستيك، إذ يتعين أيضًا فهم حركة الجسيمات داخل الرواسب، ومدى انتقالها من طبقة إلى أخرى، وما إذا كانت تتحلل أو تتغير كيميائيًا خلال فترات الدفن الطويلة.
تحديات أمام بناء سجل عالمي موثوق
رغم انتشار اللدائن الدقيقة في بيئات متعددة، فإن تحويلها إلى علامة جيولوجية يمكن الاعتماد عليها يواجه تحديات مهمة.
فقد تصل الجسيمات إلى الرواسب بعد فترة طويلة من إنتاج المنتج الأصلي، ما يخلق فجوة بين تاريخ التصنيع وتاريخ الترسب. كما قد تنقلها التيارات والرياح من مناطق بعيدة، ولذلك لا تعكس بالضرورة النشاط البشري في الموقع نفسه.
كذلك، لا تتصرف جميع أنواع البلاستيك بالطريقة نفسها؛ إذ تختلف البوليمرات في خصائصها الكيميائية ومقاومتها للعوامل البيئية.
وقد تؤدي التجوية والتفاعلات الكيميائية والاضطرابات داخل الرواسب إلى تغيير شكل الجسيمات أو خصائصها، ما يصعّب تفسير السجل بعد فترات طويلة.
ولهذا يشدد الباحثون على ضرورة إثبات أن الجسيمات المدفونة تظل مستقرة نسبيًا في البيئات التي تفتقر إلى الضوء والأكسجين، وأن حركتها داخل الطبقات يمكن التنبؤ بها بدرجة تسمح بإعادة بناء التسلسل الزمني.
بصمة الإنسان في الرواسب
تقترح الدراسة التعامل مع اللدائن الدقيقة باعتبارها أرشيفًا محتملًا للتغيرات التي أحدثها الإنسان في البيئة، وليس مجرد مؤشر على حجم التلوث البلاستيكي.
فإذا أمكن ربط أنواع البوليمرات وتوزيعاتها في الطبقات الرسوبية بتاريخ إنتاجها واستخدامها، فقد تساعد هذه البيانات في تتبع التحولات الصناعية وأنماط الاستهلاك والأحداث التي أدت إلى زيادة أنواع معينة من المخلفات.
لكن الباحثين لا يقدمون اللدائن الدقيقة حتى الآن بوصفها علامة جيولوجية عالمية مثبتة ونهائية.
فالخطوة التالية تتمثل في اختبار الفكرة عبر دراسات ميدانية دولية، والتحقق من استقرار الجسيمات ودقة توقيتها، ومقارنة السجلات الرسوبية بين البيئات المختلفة.
وقد تتيح هذه الجهود مستقبلًا وسيلة إضافية لفهم متى وكيف ترك النشاط البشري بصمته في طبقات الأرض، شريطة أن تثبت الأبحاث أن تلك البصمة قابلة للقراءة بصورة موثوقة عبر الزمن.





