تعد نبتة الساليكورنيا، المعروفة باسم “الهليون البحري”، في طليعة الثورة الزراعية التي تهدف إلى معالجة تحديات الأمن الغذائي في العالم في مواجهة تغير المناخ.
بقيادة الدكتورة فانيسا ميلينو من جامعة نيوكاسل، يقوم فريق من الباحثين باستكشاف القدرات المذهلة لنبات الساليكورنيا في تطوير المحاصيل التي تزدهر في الظروف المالحة.
وبما أن ما يقرب من 30% من الأراضي الصالحة للزراعة في جميع أنحاء العالم معرضة لخطر تسرب المياه المالحة، فإن هذا البحث يمنح الأمل في الحفاظ على إنتاجية الزراعة.
ونشرت الدراسة في مجلة Nature Communications .
قوة الساليكورنيا
الساليكورنيا هو نبات ذو قدرة غير عادية على البقاء، وينمو في المناطق المالحة في جميع أنحاء آسيا الوسطى والأمريكيتين وأوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
على عكس النباتات الأخرى، يمكن لنبات الساليكورنيا أن يجمع تركيزات عالية من الصوديوم في براعمه النشطة دون أن يعاني من التسمم الأيوني.
وأشار الدكتور ميلينو إلى أن “أبحاثنا تكشف عن كيفية عمل النباتات المقاومة للملح على المستوى الجزيئي للتكيف مع البيئات القاسية، ويمكننا استخدام هذه المعلومات لتربية المحاصيل التي يمكن زراعتها باستخدام المياه الجوفية المالحة أو حتى مياه البحر”.
قدرة نبات الساليكورنيا على تخزين الصوديوم داخل خلاياه من خلال ناقلات متخصصة تشكل مفتاح بقائه على قيد الحياة في ظل الظروف القاسية.
هذه المعرفة قد تمهد الطريق لاستنبات محاصيل قادرة على النمو في تربة مشبعة بالملح، وهي تقدم حلاً عملياً لمشكلة الملوحة ــ وهي المشكلة التي تؤثر على مساحات شاسعة من الأراضي الصالحة للزراعة.
سر قدرة نبات الساليكورنيا على تحمل الملح
أمضى الدكتور ميلينو سنوات طويلة في تطوير سلالات تربية نقية من الساليكورنيا، وخاصة أثناء عمله في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتكنولوجيا ( KAUST ) في المملكة العربية السعودية.
وفي دراسة حديثة، كشف فريقها عن رؤى جديدة حول الآليات الجزيئية وراء قدرة نبات الساليكورنيا على تحمل الملوحة العالية.
وقال الدكتور ميلينو: “هذا يشير إلى أن نبات الساليكورنيا لديه عمليات فعالة للغاية لتخزين الصوديوم في حجرات داخل الخلايا من خلال عمل ناقلات متخصصة”.
تنويع الآفاق الزراعية
السمات الفريدة لنبات الساليكورنيا تمتد إلى ما هو أبعد من مجرد البقاء على قيد الحياة، فهو معروف بطعمه المقرمش والعصير والمالح، وهو بالفعل طعام شهي يتم الاستمتاع به في العديد من البلدان.
يرى الدكتور ميلينو، إمكانية تطوير نبات الساليكورنيا كمصدر للزيوت النباتية والبروتين عالي الجودة.
وأشار الدكتور ميلينو إلى أنه “من خلال التركيز على الدهون (الزيت) والبروتين، فإننا نحاول تطوير منتجات يمكن نقلها بسهولة وأكثر استدامة من المصادر الأخرى – باستخدام مياه البحر للري بدلاً من الاعتماد على موارد المياه العذبة المحدودة “.
من نبات بري إلى محصول مربح
على الرغم من صفاتها الرائعة، تظل الساليكورنيا نباتًا بريًا ، وتحويلها إلى محصول مربح هي عملية شاقة.
وتستخدم الدكتورة ميلينو وفريقها الأدوات الجينومية والوراثية الحديثة لتسريع عملية التدجين.
وقال الدكتور ميلينو: “بفضل الأدوات الجينومية والوراثية الحديثة، يمكننا اختيار وإدخال السمات المرغوبة للزراعة.”
يهدف هذا النهج المبتكر إلى مساعدة المزارعين على زراعة المحاصيل الغذائية في التربة المالحة باستخدام مياه البحر أو المياه قليلة الملوحة، مما يوفر حلاً مستدامًا لمشكلة زيادة الملوحة.
الهليون البحري
وقد بدأ البحث بالفعل في التوسع، وفي حين لا يزال يركز على نبات الساليكورنيا، فإن نوعًا آخر أصليًا في أستراليا يسمى سامفير قد أثار أيضًا اهتمام الباحثين.
يُعرف نبات السامفير أيضًا باسم “الهليون البحري”، وينمو في ظل ظروف الملوحة العالية وقد يكون حلاً آخر لمشكلة ملوحة الأراضي الزراعية.
فرص جديدة للمجتمعات الساحلية
بالإضافة إلى إمكاناتها الزراعية، فإن المحاصيل المقاومة للملوحة مثل الساليكورنيا والسامفير تقدم أيضًا فرصًا اجتماعية واقتصادية كبيرة للمجتمعات الساحلية.
يمكن زراعة هذه النباتات في الأراضي الساحلية التي لا تصلح للزراعة التقليدية، مما يحول هذه المناطق إلى مراكز زراعية منتجة.
وهذا لا يساعد فقط في تنويع الاقتصاد المحلي، بل يوفر أيضًا فرص عمل جديدة، ويعزز التنمية المستدامة، ويقلل الاعتماد على موارد المياه العذبة.
يمكن لمبادرات الزراعة الساحلية أن تؤدي إلى تحويل مشهد الإنتاج الزراعي، مما يجعله أكثر شمولاً وقدرة على الصمود في مواجهة تغير المناخ.
تنمية الرخاء الساحلي
في ظل وجود أكثر من مليوني هكتار من الأراضي الزراعية الأسترالية التي تعاني من الملح، هناك حاجة واضحة وفرصة لتطوير المحاصيل المقاومة للملح.
تدجين نبات السامفير قد يوفر حلاً بديلاً لهذه المشكلة، مما قد يؤدي إلى تحويل هذا المراعي المالحة إلى مصدر قوي للبذور الزيتية والبروتين البديل.
ومن خلال استراتيجيات التربية الصحيحة والبحوث الجارية، قد نشهد عصرًا جديدًا في الزراعة. وفي المستقبل القريب، من الممكن ألا تكون المياه المالحة عدوًا للمحاصيل، بل حليفًا لها، وقد يمهد هذا البحث الطريق في نهاية المطاف نحو مستقبل زراعي أكثر استقرارًا ومرونة.









