59 صراعاً في 2023 أعلى رقم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية
تجدد العنف العالمي يفرض ضغوطا على التكيف مع المناخ
في حين تحظى الحروب في أوروبا الشرقية والشرق الأوسط باهتمام عالمي واسع النطاق، هناك العديد من الصراعات الأخرى التي لا تقل خطورة وطول أمداً.
ووفقاً لتحليل من معهد أبحاث السلام في أوسلو، تم تسجيل 59 صراعاً في عام 2023، وهو أعلى رقم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
قد يفترض كثيرون أن التكيف مع المناخ يأتي في المرتبة الثانية عندما نواجه الصراعات.
ولكن الأبحاث الجديدة الصادرة عن صندوق التكيف تقدم رؤى وخبرات مباشرة لمشاريع ناجحة تعمل في دول هشة وبلدان متأثرة بالصراعات.
لقد استثمر الصندوق 1.2 مليار دولار في 180 مشروعًا حول العالم – ومن المتوقع أن يقع بعض هذه المشاريع في مناطق صراع محتملة.
يقع عدد من المشاريع داخل بلدان، مثل مالي، حيث اندلعت الحروب لسنوات، في حين يقع البعض الآخر في أماكن يمكن أن تندلع فيها أعمال عنف متفرقة وغير متوقعة فجأة.
وهناك مناطق أخرى هشة بشكل خاص، مثل حوض فولتا في غرب أفريقيا، الذي يعتبر عرضة بشكل كبير للفيضانات المدمرة والجفاف.

عوامل تحسين نتائج المشاريع في مناطق الصراع
ووجد الباحثون، أن معرفة كيفية الاستجابة والتكيف بسرعة أمر بالغ الأهمية في هذه السياقات المختلفة.
تسلط الدراسة الضوء على عدد من العوامل الرئيسية لتحسين نتائج المشاريع في مناطق الصراع: تعزيز المؤسسات، وضمان الملكية المحلية للتمويل، والسماح بالمرونة في تمويل المناخ، وبناء شراكات قوية والمراقبة الدقيقة، والتي تعتبر جميعها حاسمة.
إن تغير المناخ يؤدي إلى تفاقم حالة عدم الاستقرار من خلال إضعاف المؤسسات، وتهجير المجتمعات، وزيادة التوترات بشأن الغذاء والمياه المتاحة.
وقد لفتت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ الانتباه إلى هذا في تقريرها العلمي للمناخ لعام 2022، حيث ذكرت أن “هناك أدلة متزايدة تربط بين ارتفاع درجات الحرارة والجفاف وخطر الصراع في أفريقيا”.
وفي العام الماضي، علق ميكو أوليكاينن، رئيس صندوق التكيف، بأن البلدان المتضررة من الصراعات “هي من بين البلدان الأكثر عرضة لتأثيرات تغير المناخ وأن احتياجاتها للمساعدات الخارجية مرتفعة”.
وأضاف أن أبحاث الصندوق “تعزز أهمية تعزيز المؤسسات في البيئات الهشة لتقديم التمويل المناخي بشكل فعال، وبناء شراكات قوية بين الحكومات والمجتمع المدني والقطاع الخاص لضمان التمويل المناسب”.

الحفاظ على المياه في إثيوبيا
ومن بين دراسات الحالة التي توضح هذه التعقيدات مشروع الزراعة الذكية مناخيا في إثيوبيا.
وقد تم تنفيذ هذه المبادرة التي بلغت تكلفتها 10 ملايين دولار بين عامي 2017 و2022، وصُممت لزيادة القدرة على الصمود في سبع مناطق معرضة للجفاف.
وتضم هذه المقاطعات مناطق مصنفة على أنها قاحلة وشبه قاحلة، وذلك بسبب هيمنة الأراضي الجافة في مختلف أنحاء البلاد.
وهذا من شأنه أن يجعل الزراعة صعبة، حيث يعتمد إنتاج المحاصيل إلى حد كبير على مستويات متفاوتة من هطول الأمطار.
وتشير التقديرات إلى أن 8 ملايين أسرة في البلاد تكسب عيشها من خلال الزراعة المعيشية على نطاق صغير، وتكتسب هذه الممارسة أهمية بالغة بالنسبة لإمدادات الغذاء الإجمالية.
كانت إحدى المناطق المشاركة في المشروع هي تيغراي، وهي منطقة تقع في أقصى شمال إثيوبيا، وكانت في ذلك الوقت موقعًا لقتال عنيف بين الحكومة وجماعة شبه عسكرية تسمى قوات دفاع تيغراي.
وقد أدى اندلاع الصراع إلى تأخير تطوير البنية الأساسية المخطط لها في المنطقة، ولم يتمكن الموظفون من تقييم المواقع. ولذلك، ركز المشروع على تعزيز القدرات المؤسسية وزيادة الوعي المحلي والملكية فيما يتصل بأنشطة التكيف في المناطق الأخرى.
ومن بين الفوائد طويلة الأجل التي تحققت من المشروع نجاح إشراك المجتمعات المحلية في توفير التدريب المشترك على استخدام مرافق المياه الجديدة.

ووفقاً للباحثين، فقد انخفض الضغط على المياه في المجتمعات المتضررة بعد توفير مصدر جوفي لمياه الشرب وتقديم التدريب المحلي لضمان صيانته.
استفادت أكثر من 15 ألف أسرة من الحصول على مياه الشرب الآمنة، وتم تدريب 8500 مزارع آخرين على الزراعة المروية، بالإضافة إلى ذلك، تم استعادة 3300 هكتار من الأراضي المتدهورة باستخدام تقنيات الحفاظ على التربة والمياه، مثل بناء الآبار الضحلة والسدود الصغيرة والمدرجات على التلال لمنع جريان المياه.
وكان تأثير هذه التدخلات هو الحد من الصراع في أجزاء من البلاد حيث يؤدي تغير المناخ إلى تأجيج التوترات حول توفر المياه العذبة.
وقالت كريستينا دينجل، مسؤولة إدارة المعرفة في صندوق التكيف، التي نسقت الدراسة: “ساعدت مرافق المياه في الحد بشكل كبير من الصراع بين مزارعي المحاصيل ورعاة الماشية على المستوى المحلي، وحتى لو كانت هذه النتائج غير رسمية، فإنها تظهر إمكانات مشاريع التكيف مع المناخ في إحداث تأثير إيجابي في الحد من الصراع والهشاشة”.
وقد تم استغلال هذا النجاح كنموذج لمشروع أكبر بكثير بتمويل من صندوق المناخ الأخضر والذي يمكن أن يصل إلى عشرة أضعاف هذا العدد من المقاطعات.

بناء الثقة
العمل في البلدان المتضررة من الصراعات يعني تبني عقلية مختلفة حول ما يمكن تحقيقه، ففي إثيوبيا، كان الوضع الأمني في تيجراي يعني أنه لم يكن من الممكن العمل في المنطقة.
وعلى هذا النحو، تحول الاهتمام إلى المناطق الأخرى المشاركة في المشروع وكيفية ضمان أفضل النتائج الممكنة – والحد من المزيد من الصراع – للأشخاص على الأرض.

وفي حديثها في فعالية مؤتمر الأطراف التاسع والعشرين بشأن التكيف في مناطق الصراع التي نظمها صندوق التكيف ومرفق البيئة العالمية، قالت سريلاتا كاميلا، رئيسة التكيف مع تغير المناخ في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إن العمل في الدول الهشة معقد لأسباب عديدة.
ولا يقتصر الأمر على ضعف المؤسسات في تنفيذ المشاريع على المدى الطويل، بل إن الخلافات تسود بين المجتمعات والحكومة.
وتقول كاميلا: “لقد تأثر الناس في هذه المواقف بنقص الثقة في الحكومة والكيانات الأخرى القادمة من الخارج، ويصبح بناء هذه الثقة وإشراك المجتمعات جزءًا أساسيًا ونقطة دخول لتصميم مشاريع التكيف” .
وقد وجد الباحثون، أنه في حالة إثيوبيا، وغيرها من البلدان المشابهة لها، فإن المرونة اللازمة للتكيف مع الوضع المتطور بسرعة تشكل أهمية بالغة، إلى جانب ملكية المجتمع لكيفية تصميم المشاريع وتنفيذها.
ومن السهل أن نقول هذا من أن نفعله في منطقة الصراع، ولكنه على الأقل يوفر فرصاً أفضل للنجاح.

وقال أوليكاينن، إنه يأمل أن يتم تطبيق الدروس المستفادة من إثيوبيا ودراسات الحالة الأخرى التي تم تحليلها في أماكن أخرى مع استمرار الصراعات في الضغط على السكان المحليين الذين يعانون من تفاقم الظروف المناخية المتطرفة.
وأضاف “نحن نعلم أن الناس يحتاجون إلى مساعدتنا، ومن مسؤوليتنا ضمان توفر التمويل لدعمهم”، “مع تفاقم أزمة المناخ، نحتاج إلى الاستعداد للعمل في مناطق الصراع وإعلام المجتمعات بأننا لن نتخلى عنها”.





