كشفت دراسة تحليلية جديدة، أن أكثر من 1.5 مليار شخص حول العالم تعرضوا لما لا يقل عن شهر كامل من الحرارة الخطرة خلال الفترة من يونيو إلى أغسطس 2026، مع زيادة كبيرة في احتمالية تسجيل هذه الحرارة بسبب تغير المناخ الناتج عن النشاط البشري.
وأظهرت الدراسة، التي أعدتها مجموعة Climate Central، أن الهند تصدرت الدول الآسيوية من حيث عدد السكان الذين تعرضوا لما لا يقل عن 30 يومًا إضافيًا من الحرارة الخطرة المرتبطة بتغير المناخ، بنحو 117 مليون شخص، تلتها الصين بنحو 94 مليونًا، ثم إندونيسيا بنحو 83 مليونًا.
واعتمد التحليل على مؤشر التحول المناخي (Climate Shift Index – CSI) لتقدير مدى تأثير تغير المناخ في احتمالية تسجيل درجات الحرارة اليومية خلال الفترة من 1 يونيو إلى 31 أغسطس 2026.
وعرّفت الدراسة «أيام الحرارة الخطرة» بأنها الأيام التي تجاوزت فيها درجات الحرارة 90% من درجات الحرارة التي اعتادت المنطقة تسجيلها تاريخيًا في الفترة نفسها من العام بين 1991 و2020.
ووفق Climate Central، تمثل هذه العتبة مستوى تبدأ عنده المخاطر الصحية المرتبطة بالحرارة في الارتفاع.
آسيا الأكثر تعرضًا من حيث عدد السكان
سجلت قارة آسيا العدد الأكبر من السكان الذين تعرضوا لأيام الحرارة الخطرة المرتبطة بتغير المناخ.
ووفق التحليل، واجه نحو 2.8 مليار شخص، أي 58% من سكان القارة، ما لا يقل عن 30 يومًا من الحرارة الخطرة خلال الأشهر الثلاثة محل الدراسة.
وجاءت الهند في مقدمة الدول الآسيوية من حيث عدد الأشخاص الذين تعرضوا لما لا يقل عن 30 يومًا إضافيًا من الحرارة الخطرة المرتبطة بتغير المناخ، بإجمالي 117 مليون شخص.
وحلت الصين في المرتبة التالية بـ94 مليون شخص، ثم إندونيسيا بـ83 مليونًا.
وتكشف هذه الأرقام عن حجم التأثير السكاني للحرارة الشديدة في أكثر مناطق العالم اكتظاظًا بالسكان، حيث يمكن لفترات الحرارة الطويلة أن تفرض ضغوطًا إضافية على الصحة العامة والبنية التحتية وأنظمة الطاقة والمياه.
أوروبا الأكثر سخونة مقارنة بماضيها المناخي
رغم تصدر آسيا من حيث عدد السكان المتأثرين، كانت أوروبا المنطقة التي شهدت حرارة استثنائية بدرجة أكبر مقارنة بظروفها المناخية التاريخية.
فقد تعرض نحو 89% من سكان أوروبا، أي ما يقرب من تسعة أشخاص من كل عشرة، لما لا يقل عن شهر من الحرارة الخطرة خلال الفترة من يونيو إلى أغسطس.
وسجلت فرنسا والفاتيكان متوسط درجات حرارة أعلى بنحو 3.5 درجات مئوية عن المعدلات التاريخية، بينما جاءت أندورا وسويسرا ضمن المناطق التي سجلت أيضًا ارتفاعات استثنائية.
كما شهدت 54 دولة حول العالم أكثر فترات يونيو-أغسطس حرارة في سجلات الفترة من 1970 إلى 2026، ومن بينها فرنسا وإيطاليا والمملكة المتحدة.
الحرارة تضغط على الصحة والطبيعة
لم تقتصر تداعيات الحرارة المرتفعة على ارتفاع درجات الحرارة نفسها، إذ ساهمت فترات الحرارة الطويلة في تفاقم حرائق الغابات والجفاف والضغط على خدمات الطوارئ والرعاية الصحية في عدد من المناطق.
وقالت Climate Central إن أكثر من ربع سكان العالم في أي يوم خلال هذه الفترة شعروا بتأثير قوي لتغير المناخ في درجات الحرارة المحلية، مشيرة إلى أن حرق الوقود الأحفوري يمثل العامل الرئيسي وراء هذا التأثير.
ويعكس ذلك تغيرًا مهمًا في طريقة تقييم المخاطر المناخية؛ فالمشكلة لا ترتبط فقط بتحطيم درجات الحرارة القياسية، وإنما أيضًا بزيادة عدد الأيام التي تبقى فيها الحرارة عند مستويات يمكن أن تؤثر في صحة الإنسان.
أفريقيا تواجه موجات طويلة من الحرارة المرتبطة بالمناخ
وفي أفريقيا، استمرت الإشارة المرتبطة بتغير المناخ خلال جزء كبير من موسم الصيف.
وسجلت ست دول درجات حرارة متأثرة بقوة بتغير المناخ خلال 95% على الأقل من الأيام التي شملها التحليل.
وسجلت رواندا 91 يومًا من هذه الأيام، بينما بلغت في أوغندا 89 يومًا، وفي إثيوبيا 88 يومًا خلال الفترة محل الدراسة.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة بالنسبة إلى الدول التي تعاني بالفعل من محدودية موارد أنظمة الرعاية الصحية والبنية التحتية اللازمة للتعامل مع فترات الحرارة الطويلة.
الحرارة الخطرة لا تعني بالضرورة أرقامًا قياسية
ويعتمد تحليل Climate Central على مفهوم مختلف نسبيًا عن مجرد البحث عن درجات الحرارة القياسية.
فالهدف هو تحديد الأيام التي تكون فيها الحرارة أعلى من المعتاد بالنسبة إلى المنطقة نفسها وفي الوقت نفسه من السنة، ثم قياس مدى تأثير تغير المناخ في احتمالية حدوث تلك الحرارة.
وبالتالي، يمكن لليوم أن يمثل حرارة خطرة صحيًا حتى إذا لم يسجل رقمًا قياسيًا مطلقًا، خصوصًا إذا كانت المنطقة غير معتادة على التعرض لفترات طويلة من الحرارة المرتفعة.
وهذا يفسر أيضًا اختلاف التأثير بين المناطق؛ فدرجة حرارة معينة قد تمثل ظروفًا استثنائية في منطقة معتدلة، بينما تكون أكثر اعتيادًا في منطقة حارة.
تحذيرات من ارتفاع التكلفة الصحية والاقتصادية
قالت كريستينا دال، نائبة رئيس قسم العلوم في Climate Central، إن نتائج التحليل تكشف نمطًا عالميًا للحرارة المرتبطة بالاحترار البشري، مشيرة إلى تأثيرها في مجتمعات في أوروبا وآسيا وأفريقيا وأمريكا الشمالية.
وأضافت أن الأشهر الثلاثة الماضية تمثل إشارة تحذير بشأن التكاليف البشرية والاقتصادية المرتبطة باستخدام الوقود الأحفوري.
من جانبه، قال سايمون ستيل، الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، إن تعرض أكثر من مليار شخص لشهر إضافي من الحرارة التي تهدد الصحة يعكس ارتفاع التكلفة البشرية والاقتصادية للحرارة الشديدة.
وأشار إلى أن موجات الحرارة تضغط على الأنظمة الصحية، وتؤثر في سبل المعيشة والأعمال والاقتصادات، داعيًا إلى تسريع التحول من الوقود الأحفوري إلى مصادر الطاقة النظيفة، إلى جانب تعزيز القدرة على التكيف مع تغير المناخ وحماية الغابات.
صيف 2026 يسلط الضوء على مشكلة تتجاوز الأرقام القياسية
وتشير نتائج التحليل إلى أن أحد الجوانب المهمة في أزمة الاحترار العالمي يتمثل في زيادة مدة التعرض للحرارة الخطرة، وليس فقط ارتفاع أعلى درجة حرارة يتم تسجيلها في يوم معين.
فكلما زاد عدد الأيام التي تتجاوز فيها درجات الحرارة الحدود المعتادة محليًا، زادت فترة تعرض السكان للإجهاد الحراري، وارتفع الضغط المحتمل على خدمات الصحة والطاقة والمياه والعمل في الهواء الطلق.
وتقدم بيانات صيف 2026 مثالًا واضحًا على هذا الاتجاه، مع تعرض أكثر من 1.5 مليار شخص حول العالم لما لا يقل عن شهر من الحرارة المصنفة بأنها خطرة وفق منهجية الدراسة، في وقت تشير فيه الأدلة المناخية الأوسع إلى استمرار ارتفاع درجات الحرارة العالمية.
