أخبارالتنمية المستدامةابتكارات ومبادرات

“ورد الجبل”.. مشروع عماني يجمع بين التراث والتقنية ويغزو العطور العالمية

من النحاس إلى البخار.. تقنية حديثة تعيد تعريف ماء الورد في سلطنة عُمان

عند السادسة صباحًا، حين لا يزال الضباب خيطًا أبيض يلف مدرجات الجبل الأخضر في سلطنة عُمان، يخرج أحمد بن عبد الله الصقري من بوابة مصنعه المعدنية حاملًا سلّته.

وعلى مسافة أمتار قليلة، تمتد مزرعته الخاصة التي زرع فيها مئات أشجار الورد ملاصقة لجدران المصنع. ينتقي أولى البتلات المتفتحة، يملأ سلته، ويعود أدراجه إلى المصنع، حيث يبدأ “الحوار” اليومي بين تقليد توارثه الأجداد، وتقنية عصرية حملت ماء الورد إلى رفوف دار “أمواج” العالمية للعطور.

يقول الصقري في تصريح للجزيرة نت إن علاقته بالورد بدأت منذ الطفولة، إذ كان يرافق والده إلى الحقول، ويساعده في جمع الورد وتقطيره بالطريقة التقليدية، قبل أن يتجه لاحقًا لدراسة علوم الإدارة الزراعية التي صقلت شغفه بالابتكار.

في عام 2018، استصلح الصقري قطعة أرض صخرية وزرع فيها 1300 شجرة ورد، ثم اشترى جهاز تقطير صينيًا قادرًا على معالجة 200 كيلوغرام من الخام في دورة واحدة.

وبعد عام من التجربة، خرج أول لتر من ماء الورد الأبيض النقي تحت علامة خاصة سماها “ورد الجبل”.

مزرعة ورد الجبل

من الحطب إلى البخار المضغوط

ظل الورد العُماني يُقطَّر لقرون في قدور نحاسية تُغذى بالحطب 24 ساعة متواصلة، ما يجعل ماء الورد الناتج يميل إلى الحمرة ويحمل نكهة “الحرق”، ويُترك شهرين حتى يصفو.

لكن الصقري قرر قطع الصلة بهذه الطريقة حين استورد جهاز تقطير فولاذيًا يعمل بالبخار المضغوط بسعة 200 كغ. هذا الجهاز لا تتجاوز دورة تشغيله 4 ساعات، وينتج نحو 150 لترًا من ماء الورد الأبيض الصافي، إضافة إلى نحو 4 مليمترات من زيت الورد المركز.

يُعبأ ماء الورد وزيته تحت اسم “ورد الجبل” في عبوات زجاجية أنيقة، فيما تُباع مخلفات التقطير (البتلات المطحونة) إلى شركات محلية تصنع منها صابونًا وشامبو بتركيز 80% من خلاصات الورد.

وقد توسع المصنع أيضًا إلى مجال تقطير نباتات عطرية أخرى مثل العلعلان والياس واللافندر وعشبة الليمون، لإنتاج مياه وزيوت تُستخدم في الطب البديل والعلاج بالعطور.

ولتوسيع نطاق النشاط، وقعت شركة “أمواج” العالمية للعطور اتفاقية تعاون مع الصقري لاستخدام زيوته العطرية في منتجاتها، ما مثّل قفزة نوعية في مسيرته المهنية، وفتح المجال أمام هذا المنتج العُماني لدخول أسواق دولية متعطشة للروائح الطبيعية النادرة.

مزرعة ورد الجبل

التحديات والموارد

لم يخلُ طريق النجاح من عقبات؛ فالجبل الأخضر ذو طبيعة صخرية ومصادر مياه محدودة. ولتأمين الري، حفر الصقري خزانًا أرضيًا سعته 36 ألف غالون (أكثر من 133 ألف لتر) لتجميع مياه الأمطار، واعتمد نظام ريّ بالتنقيط يوفر 30% من استهلاك المياه.

كما يعتمد المشروع على حساسات رطوبة متصلة بالهاتف المحمول، تنبّه العمال إلى مستويات الرطوبة المثلى لكل صنف، في خطوة يصفها بأنها “زراعة ذكية” تقلل الهدر وتضاعف الإنتاجية.

وإدراكًا منه لأهمية استدامة المشروع علميًا، يقود الصقري مبادرة لإنشاء “مركز خبرة الورود العُمانية” بالتعاون مع جامعة التقنية والعلوم التطبيقية في مسقط. يهدف المركز إلى تقديم دورات تدريبية للمزارعين في الزراعة الدقيقة، ويضم مختبرًا لاختبار الزيوت وتسجيل براءات اختراع لتركيبات عطرية خاصة.

ويطمح الصقري إلى استخراج مركبات دوائية من الورد والعلعلان والياس والجعداء والنعناع وإكليل الجبل، بعد إثبات فعاليتها مخبريًا، ما قد يفتح سوقًا دوائية جديدة تُدر عوائد تفوق أرباح صناعة العطور.

زراعة الورد تُعد أحد كنوز الجبل الأخضر في سلطنة عُمان، ولا تزال من أهم مصادر الرزق لسكان تلك المنطقة الذين امتهنوا تقطير الزهور واستخراج مائها العذب، والذي لا يكاد يخلو منه بيت عماني.

مزرعة ورد الجبل

ويقع الجبل الأخضر في المنطقة الداخلية بسلطنة عُمان، ويُعد مقصدًا سياحيًا في فصل الصيف لما يتميز به من طبيعة خلابة ومناخ معتدل، إذ يبلغ ارتفاعه 2300 متر فوق مستوى سطح البحر، وتدنو درجات الحرارة في الشتاء إلى ما دون الصفر، بينما لا تتجاوز 22 درجة مئوية صيفًا.

ويبدأ موسم حصاد الورد في الجبل الأخضر في مارس/آذار وينتهي في مايو/أيار من كل عام، ويقصده السياح خلال هذا الموسم للاستمتاع بجمال الزهور والتعرف على طرق إنتاجها تقليديًا وحديثًا.

مزرعة ورد الجبل

مزرعة ورد الجبل

يرى أحمد بن عبد الله الصقري، صاحب مصنع تقطير ماء الورد بالجبل الأخضر، أن حبه لهذه الحرفة منذ الصغر دفعه إلى تطويرها. ويشير إلى أن مزرعة “ورد الجبل” تُعد الأكبر في المنطقة، بمساحة تصل إلى 8 آلاف متر مربع، وتنتج نحو طن واحد من الورد سنويًا، في وقت يشتري فيه 1.5 طن إضافي من المزارع المجاورة.

وحول الطرق الحديثة في التقطير، أوضح الصقري أن مصنع “ورد الجبل الأخضر” هو مشروع استثماري ذو أبعاد اقتصادية وسياحية، ويبلغ عمره 4 سنوات، ويُعد المصنع الوحيد الذي يستخدم الجهاز الحديث لتقطير ماء الورد.

وتُعتبر زراعة الورد وصناعة منتجاته من الحرف التقليدية العريقة في سلطنة عُمان، ويؤكد الصقري أن هناك جهودًا لتوسيع الرقعة الزراعية المخصصة لزراعة الورد، ونقل المهارات إلى الأجيال القادمة، حيث يفتح المصنع أبوابه أمام السياح للتعرف على الصناعات المختلفة من الورد وطرق إنتاجها.

مزرعة ورد الجبل

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading