يثير الجدل المتصاعد حول مسؤولية الدول في مواجهة التغير المناخي تساؤلًا محوريًا: هل يمكن للدول التي لا تتجاوز مساهمتها 1% من الانبعاثات العالمية أن تقلل من جهودها المناخية؟
هذا الطرح، الذي يبدو منطقيًا للوهلة الأولى، استخدمه عدد من القادة السياسيين لتبرير التباطؤ في خفض الانبعاثات. فقد أشار رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ريشي سوناك إلى أن مساهمة بلاده المحدودة لا تبرر فرض “تضحيات إضافية” على المواطنين، فيما استند قادة آخرون في أستراليا وألمانيا وإيطاليا إلى نسب مماثلة للدفاع عن سياسات أقل طموحًا.
وتزداد قوة هذا الطرح عند مقارنته بحجم الانبعاثات الضخم لدول مثل الولايات المتحدة والصين والهند، التي تمثل مجتمعة أكثر من نصف الانبعاثات العالمية الحالية. غير أن هذا المنطق يتجاهل أبعادًا أساسية في فهم أزمة المناخ، وفقًا للعلماء.
أول هذه الأبعاد هو “المسؤولية التاريخية”. فالدول الصناعية، خاصة في أوروبا، كانت من أوائل المساهمين في تراكم غازات الدفيئة منذ الثورة الصناعية، ما يجعل بصمتها الكربونية التراكمية أكبر بكثير من حصتها الحالية. وهذا التراكم هو العامل الأهم في ارتفاع درجات الحرارة العالمية، وليس الانبعاثات السنوية فقط.
كما أن قياس الانبعاثات على أساس نصيب الفرد يكشف صورة مختلفة؛ إذ لا تزال انبعاثات الفرد في الدول الغنية أعلى من المتوسط العالمي، رغم التقدم النسبي في خفضها خلال السنوات الأخيرة.
البعد الثاني يتعلق بالقدرة الاقتصادية والتكنولوجية. فالدول الغنية تمتلك موارد مالية وتقنيات متقدمة تمكّنها من التحول إلى اقتصاد منخفض الكربون بوتيرة أسرع، مقارنة بالدول النامية التي لا تزال تواجه تحديات تنموية أساسية.
ويؤكد خبراء المناخ أن كل طن من ثاني أكسيد الكربون يتم تجنبه يُحدث فرقًا ملموسًا في تقليل الاحترار العالمي. فالتغير المناخي ظاهرة تراكمية، ما يعني أن الانبعاثات الصغيرة، إذا تكررت عبر دول متعددة، تتحول إلى تأثير كبير على النظام المناخي.
وتشير البيانات إلى أن الدول الثلاث الأكثر سكانًا – الولايات المتحدة والصين والهند – هي الوحيدة التي تتجاوز مساهمة كل منها 5% من الانبعاثات العالمية. لكن بقية دول العالم، رغم أن حصة كل منها أقل من ذلك، تمثل مجتمعة نحو نصف الانبعاثات السنوية للبشرية.
ورغم هذه الحقائق، انتشر خطاب “نحن 1% فقط” في وسائل الإعلام والخطاب السياسي، خاصة بين التيارات الشعبوية، لتبرير إبطاء السياسات المناخية أو تخفيفها. وأظهرت تحليلات حديثة تكرار هذا الطرح مئات المرات في صحف دول متعددة، ما يعكس تأثيره على الرأي العام.
كما كشفت استطلاعات رأي عن تزايد القناعة لدى بعض المواطنين بأن الدول ذات الانبعاثات المنخفضة نسبيًا يمكنها التراجع عن جهود خفض الكربون، وهو اتجاه يثير قلق الخبراء.
في المقابل، يشدد العلماء على أن أزمة المناخ بطبيعتها “عابرة للحدود”، ولا يمكن لأي دولة أن تعزل نفسها عن آثارها. فالمناخ لا يميز بين مصدر وآخر للانبعاثات، سواء كانت صادرة من دولة واحدة كبيرة أو من عدة دول صغيرة.
ويحذر المختصون من أن التباطؤ الجماعي، حتى لو كان مبررًا بحصص صغيرة، قد يقود إلى نتائج كارثية، بما في ذلك تسارع موجات الحر، وارتفاع مستوى سطح البحر، وزيادة وتيرة الكوارث الطبيعية.
كما أن تحقيق هدف “الحياد الكربوني” يُعد المسار الوحيد لتجنب الوصول إلى نقاط تحول خطيرة في النظام المناخي، وهي نقاط قد تؤدي إلى تغييرات غير قابلة للعكس.
وفي هذا السياق، يرى خبراء أن الدول ذات الانبعاثات المنخفضة نسبيًا تمتلك فرصة للعب دور قيادي عالمي، من خلال تسريع التحول إلى الطاقة النظيفة، وتطوير نماذج اقتصادية مستدامة يمكن أن تُحتذى عالميًا.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بنسبة مئوية فقط، بل بمسؤولية جماعية تتوزع على جميع الدول، كلٌ وفق قدراته وإمكاناته. فالتحدي المناخي لا يُقاس بحجم الانبعاثات الحالية وحدها، بل بمقدار الالتزام العالمي بخفضها، قبل أن تتجاوز الأزمة حدود السيطرة.
