تغير أنماط هطول الأمطار يهدد مخزون الكربون في التربة عالميًا
الأمطار الغزيرة والجفاف المتعاقب يعجلان بانبعاث الكربون من التربة
تلعب التربة دورًا هادئًا لكنه بالغ الأهمية في تنظيم المناخ، إذ تُخزن الكربون القادم من النباتات، أو تنقله داخل بنيتها، أو تطلقه مرة أخرى إلى الغلاف الجوي على هيئة ثاني أكسيد الكربون، وتتحكم أنماط هطول الأمطار بشكل مباشر في سرعة فقدان هذا الكربون من التربة.
ومع تفاقم تغير المناخ، باتت الأمطار الغزيرة تتعاقب مع فترات جفاف أطول، لا سيما في آسيا، ما يُجبر التربة على الانتقال المستمر بين حالتي الرطوبة والجفاف، ويسعى العلماء إلى فهم تأثير هذه التقلبات على مخزون الكربون في التربة، وإمكانية استخدام حلول بسيطة لحماية صحة التربة.
أجرى فريق بحثي بقيادة يويه بان من جامعة شنيانج الزراعية دراسة على تربة من شمال شرق الصين للإجابة عن هذه التساؤلات.
ونُشرت الدراسة في مجلة «Biochar».

إجهاد الرطوبة يكشف الكربون المخزن
يظل الكربون العضوي في التربة محميًا داخل تجمعات دقيقة من الجزيئات تُعرف بـ«الركام»، وتحافظ الرطوبة المستقرة على تماسك هذه التجمعات، لكن التقلبات الحادة بين البلل والجفاف تؤدي إلى تمدد الجزيئات وانكماشها بشكل متكرر، ما يتسبب في تشقق الركام وانكشاف الكربون أمام الكائنات الدقيقة.
وأظهرت التجارب المعملية أن تحلل الكربون يتسارع في ظل تغير الرطوبة، حيث زادت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة تصل إلى 17.2% مقارنة بحالات الرطوبة المستقرة، وحتى التقلبات البسيطة أدت إلى زيادة فقدان الكربون.
وعند إعادة ترطيب التربة الجافة، تطلق الكائنات الدقيقة دفعة مفاجئة من ثاني أكسيد الكربون، فيما يُعرف بـ«تأثير النبضة»، قبل أن يضعف هذا التأثير مع تكرار الدورات.

تغيرات في المجتمعات الميكروبية
تتحكم الكائنات الدقيقة في معظم عمليات الكربون داخل التربة، وتؤدي تغيرات الرطوبة إلى تعديل استراتيجيات بقائها، فخلال الجفاف، تتعرض هذه الكائنات لإجهاد الجفاف والملوحة، بينما يؤدي الترطيب المفاجئ إلى تلف الخلايا وإطلاق المغذيات.
وقاس الباحثون النشاط الميكروبي باستخدام مؤشرات كيميائية خاصة، ووجدوا أن تقلب الرطوبة زاد الكتلة الحيوية الميكروبية بنسبة تراوحت بين 30 و40%، كما تغير تركيب المجتمعات الميكروبية، حيث زادت البكتيريا الأكثر تحمّلًا للإجهاد، خاصة البكتيريا موجبة الغرام، على حساب الأنواع الأخرى.
في المقابل، تراجع نمو الفطريات مع اشتداد تقلبات الرطوبة، ما منح البكتيريا سيطرة أكبر على مسارات استخدام الكربون داخل التربة.

الفحم الحيوي يخفف صدمات الرطوبة
يُنتج الفحم الحيوي من تسخين المخلفات الزراعية، مثل قش الذرة، في بيئة منخفضة الأكسجين، ويُستخدم لتحسين بنية التربة وزيادة قدرتها على تخزين الكربون.
وأظهرت التجارب أن الفحم الحيوي لم يمنع تحلل الكربون تمامًا، لكنه عزز مقاومة التربة لإجهاد الرطوبة، وعند إضافته بمعدلات معتدلة، زاد حجم الركام الكبير في التربة بنحو 19%، بينما انخفضت الجزيئات الطينية الدقيقة بنسبة 23%، ما يساعد على حماية الكربون من الاستهلاك السريع.
كما يعمل الفحم الحيوي على تثبيت الكربون العضوي الذائب على أسطحه، ويُسهم الكالسيوم والمغنيسيوم في تقوية الروابط بين جزيئات التربة.

تكيف الميكروبات مع الفحم الحيوي
غيّر الفحم الحيوي من تركيب المجتمعات الميكروبية، حيث تراجعت الفطريات مقارنة بالبكتيريا، بسبب القلوية والمواد الكيميائية المصاحبة له، وفي ظل تقلبات الرطوبة، دعّم الفحم الحيوي الكائنات الدقيقة الأكثر تحمّلًا للإجهاد، مثل الأكتينوميسيتات، ما حسّن كفاءة استخدام الكربون داخل الخلايا الميكروبية وقلل انبعاثه إلى الغلاف الجوي.
آفاق البحث المستقبلي
رغم دقة التجارب المعملية، فإنها لا تعكس التعقيد الكامل للحقول الزراعية، حيث تلعب الجذور النباتية وتغيرات الطقس الطبيعية دورًا أساسيًا، ويخطط الباحثون لاختبار أنواع مختلفة من الفحم الحيوي وأنماط هطول الأمطار في الحقول الزراعية، بهدف دعم ممارسات زراعية ذكية مناخيًا تحافظ على الكربون وتدعم الإنتاج الزراعي.






