أخبارالتنوع البيولوجي

نموذج رياضي جديد يكشف الأنماط الخفية لتوزيع الأنواع عالميًا.. معادلات جديدة لتوقع الانقراضات بدقة

دراسة دولية تفك شفرة العلاقة بين حجم النطاق وتنوع الأنواع

هل نُبالغ في تقدير خسائر الأنواع؟ دراسة تكشف الحقيقة بالأرقام

عندما يُحصي علماء الطبيعة الضفادع في بركة مزرعة أو بساتين الفاكهة في مرج جبلي، فإنهم دائمًا ما يواجهون القاعدة العامة نفسها: كلما شمل المسح نطاقًا أوسع، زاد عدد الأنواع التي يتم العثور عليها.
تبدو العلاقة بسيطة، إلا أن علماء البيئة ظلوا في حيرة من أمرهم حيال دلالة غريبة مخفية في بيانات توزيع الأنواع لأكثر من قرن.

فمع الانتقال من المناطق المحلية إلى المناظر الطبيعية الإقليمية، يرتفع عدد الأنواع الجديدة ارتفاعًا حادًا، ثم يستقر، لينطلق مجددًا على المستويين القاري والعالمي.
هذا المنحنى الغريب ذو الشكل “S” يُعرف تقنيًا باسم “العلاقة ثلاثية المراحل بين الأنواع والمناطق”.

لقد ظهر هذا النمط في كل شيء، من الخنافس إلى الطيور، ومن الشعاب المرجانية إلى شجيرات الصحراء، إلا أن أي إطار رياضي لم يتمكن حتى الآن من تفسير سبب تغير ميل المنحنى في نقاطه المختلفة.

الشعاب المرجانية

التنبؤ بتوزيع الأنواع

نجح تعاون بحثي بين علماء من البرتغال وألمانيا والولايات المتحدة وجنوب أفريقيا في سد هذه الفجوة النظرية.
قام الباحثون بدمج الهندسة الأساسية مع قواعد بيانات ضخمة عن التنوع البيولوجي، ليظهروا أن المراحل الثلاث تنشأ حتمًا من الطريقة التي تُوزع بها الأنواع الفردية نطاقاتها الجغرافية على سطح الأرض.


وقد نُشرت الدراسة في مجلة Nature Communications.

لا يقوم نموذج الفريق بإعادة إنتاج الأنماط الكلاسيكية فحسب، بل يولّد أيضًا معادلات تتنبأ بعدد الأنواع التي يجب أن تظهر عند نقاط الانقطاع الدقيقة بين المراحل، وهو إنجاز له أهمية مباشرة لمخططي الحفاظ على البيئة، الذين يحتاجون إلى تقدير الانقراضات الناجمة عن فقدان المواطن الطبيعية.

تأثير حجم النطاق على توزيع الأنواع

تمت صياغة العلاقة بين الأنواع والمساحة (SAR) رسميًا في أوائل القرن العشرين، ووجد علماء البيئة أن الرسم البياني اللوغاريتمي لمجموع الأنواع مقابل المساحة غالبًا ما يُشكّل خطًا مستقيمًا.
لكن مع توسع نطاق الدراسات، لاحظ الباحثون أن هذا الخط يتكوّن في الواقع من ثلاثة أجزاء متميزة.

في الجزء الأول، من الرقع المحلية إلى بضع مئات من الكيلومترات المربعة، تُؤدي زيادة المساحة إلى اكتشاف أنواع جديدة بسبب تنوع الموائل الصغيرة.
أما في الجزء الأوسط، الذي يمتد على مساحة آلاف الكيلومترات المربعة، فتتباطأ وتيرة نمو عدد الأنواع، إذ تشغل نفس الأنواع معظم النطاق داخل الإقليم الجغرافي.
وعند الانتقال إلى القارات، يظهر أثر التاريخ التطوري، فيعود معدل التغير إلى الارتفاع، مع ظهور حيوانات ونباتات مختلفة جذريًا.

كان وصف هذه الانحناءات سهلًا من الناحية التجريبية، بينما كان تفسيرها من المبادئ الأولية يمثل تحديًا كبيرًا.

حماية التنوع البيولوجي

النطاقات الفردية للأنواع

قال المؤلف الرئيسي، لويس بوردا دي أجوا، من مركز CIBIO في البرتغال: “لقد أثبتنا أن النطاقات الجغرافية الفردية لجميع الأنواع داخل المناطق المدروسة تشكل أنماط توزيع الأنواع النموذجية التي نلاحظها في جميع أنحاء العالم”.
فمن خلال تجميع هذه النطاقات رياضيًا، كما لو كانت بلاطات متداخلة على مخطط أرضي، أظهر الفريق أن نقاط الانعطاف في منحنى SAR تقع عند المرحلة التي يتساوى فيها متوسط حجم نطاق الأنواع المقيمة مع مساحة العينة المدروسة.

على النطاقات الصغيرة، تحجب معظم الأنواع مساحة القطعة، فيُضيف كل هكتار جديد نوعًا إضافيًا.
وعلى المقاييس المتوسطة، يبدأ حجم الرقعة في منافسة حجم النطاقات، مما يُقلل من وتيرة ظهور أنواع جديدة.
أما على المقاييس الأوسع، فإن حتى الأنواع ذات النطاق الواسع لا تتجاوز قارة واحدة، مما يؤدي إلى ارتفاع مفاجئ في معدل التنوع.

رسم خرائط التنوع البيولوجي بدقة أعلى، وتحسين الجهود الرامية إلى حماية النظم البيئية
رسم خرائط التنوع البيولوجي بدقة أعلى، وتحسين الجهود الرامية إلى حماية النظم البيئية

اختبار الأنماط وتحليل السجلات

لاختبار هذه النظرية، استعان الباحثون بمرفق معلومات التنوع البيولوجي العالمي، وهو قاعدة بيانات ضخمة تضم مشاهدات المواطنين وسجلات المتاحف.
استخلصوا نحو 700 مليون ملاحظة جغرافية تغطي الطيور والبرمائيات والثدييات والنباتات الوعائية.
وأنشأ الفريق نماذج معدّلة وراثيًا لكل مجموعة تصنيفية، وقارنها بالتنبؤات النظرية.

وكان التوافق مذهلًا، حيث تطابقت نقاط التحول المتوقعة، والتي يتغير عندها ميل المنحنى، مع المنحنيات المرصودة بدقة، ضمن حدود الثقة الإحصائية لجميع المجموعات.

أشار بوردا دي أجوا إلى أن هذه النتائج تمثل خطوة كبيرة إلى الأمام في علم البيئة، لأنها تربط نمطًا بيئيًا واسع النطاق بمتغير بسيط وقابل للقياس: “حجم النطاق”، دون الحاجة إلى افتراض عوامل خارجية غامضة.

أما المؤلف الرئيسي الآخر، هنريك بيريرا، أستاذ الأبحاث في المركز الألماني لأبحاث التنوع البيولوجي المتكامل (iDiv) وجامعة مارتن لوثر هالي-فيتنبرج، فقد قال: “اكتشاف المبادئ الأساسية في علم البيئة أمرٌ مثير بقدر الاكتشافات في الفيزياء”.

حماية التنوع البيولوجي

رهانات عملية لكوكب متقلص

إلى جانب قيمته الأكاديمية، يحمل هذا النموذج آثارًا عملية خطيرة على تقييمات التنوع البيولوجي.
تعتمد هيئات دولية مثل IPBES على نماذج SAR لتحويل فقدان المواطن إلى تقديرات بانقراض الأنواع.

إذا عرف المحللون موقع النظام البيئي على منحنى المراحل الثلاث، يمكنهم استخدام المنحدر الصحيح وتفادي التقدير الزائد أو الناقص للمخاطر.
وتوفر المعادلات الجديدة هذا التوجيه بدقة.
على سبيل المثال، إذا كانت مساحة الغابة المقطوعة ما تزال تفوق متوسط نطاق انتشار الخنافس المتوطنة فيها، فقد تكون خسارة الأنواع محدودة.
ولكن إذا تراجعت المساحة إلى ما دون العتبة الأولى، فإن كل هكتار مفقود يُترجم إلى فقدان حاد في عدد الأنواع.

ولأن هذه النظرية لا تعتمد على مقياس معين، فهي تساعد خبراء البيئة على تحديد مدى كفاية العينة.
فإذا لم يصل تنوع الأنواع إلى مرحلة التباطؤ بعد، لا يمكن اعتبار الجرد البيئي مكتملًا.

تحولات توزيع الأنواع

يُقرّ المؤلفون بأن نطاقات الأنواع ليست ثابتة؛ فتغير المناخ، والأنواع الغازية، وتحولات استخدام الأراضي تعيد رسم خرائط التوزيع باستمرار.
وسيكون دمج النطاقات الديناميكية في النموذج الثلاثي أولوية مستقبلية، تمامًا كما هو الحال بالنسبة لتوسيع الدراسات لتشمل الكائنات البحرية والميكروبات التي يصعب تحديد نطاقاتها.

ومع ذلك، تُعد الدراسة مصدر تفاؤل نادر وسط التقارير القاتمة عن فقدان التنوع البيولوجي.
فبكشفها عن البنية الهندسية لأحد أقوى القوانين في علم البيئة، تمنح العلماء منظورًا أوضح لتقييم تأثير البشر على الحياة، وربما التخفيف من هذا التأثير.

كما قال بيريرا: “تكشف هذه الاكتشافات عن أنماط خفية كانت تشكل الحياة على الأرض منذ ملايين السنين، وتوفر قاعدة المعرفة اللازمة لتوجيه تلك الأنماط إلى المستقبل، بشكل مسؤول”.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading