لمسة واحدة تغيّر نشاط آلاف الجينات.. كيف تستجيب النباتات للمس؟
كيف تشعر النباتات باللمس؟ علماء يرصدون سلسلة إشارات تغير نموها
قد تبدو النباتات ساكنة، لكنها تتفاعل باستمرار مع ما يحيط بها؛ فالرياح تثني سيقانها، والمطر يصطدم بأوراقها، والحيوانات تحتك بها، بينما يمكن للحشرات أن تعض أنسجتها.
وعلى عكس الحيوانات، لا تستطيع النباتات الابتعاد عن هذه المؤثرات، لذلك يتعين عليها استشعار ما يحدث من حولها والتكيف معه من خلال تغيير طريقة نموها، وهو ما يجعل حاسة اللمس عنصرًا مهمًا في فهم كيفية بقاء النباتات وتكيفها مع بيئتها.
وكشف باحثون في جامعة لوند السويدية عن سلسلة إشارات داخلية سريعة تساعد النباتات على الاستجابة عند تعرضها للمس أو الجرح.
وتبدأ هذه الإشارة خلال نحو دقيقة واحدة، ويمكن أن تؤثر في مئات الجينات، فضلًا عن التأثير في الطريقة التي ينمو بها النبات على المدى الطويل.
النباتات تستشعر محيطها باستمرار
تستجيب النباتات لأنواع متعددة من التلامس الجسدي، بما في ذلك الاحتكاك والانحناء والرياح والمطر والأضرار الناتجة عن الحيوانات. ويمكن لهذه المؤثرات أن تغير النشاط داخل الخلايا النباتية شبه فور حدوثها.
وكان العلماء يعرفون منذ أكثر من عقدين أن اللمس ينشط مجموعة من البروتينات تُعرف باسم MAP kinases، وهي بروتينات تساعد على نقل الإشارات داخل الخلية، إلا أن السلسلة الكاملة التي تنقل إشارة اللمس ظلت غير واضحة.
ونُشرت الدراسة في دورية Nature Communications، وعمل أوليفييه فان آكن، الباحث في علم الأحياء بجامعة لوند، مع فريق البحث لتحديد الحلقة المفقودة في هذه السلسلة.
وقال فان آكن إن العلماء كانوا يعرفون منذ أكثر من 25 عامًا أن التحفيز الميكانيكي ينشط بروتينات MAP kinases، لكن جزءًا مهمًا من الصورة كان مفقودًا، وهو ما الذي يطلق هذه الإشارة وكيف ترتبط بالتغيرات اللاحقة في نمو النبات.
فرشاة ناعمة تطلق استجابة سريعة
استخدم الباحثون نباتًا مزهرًا صغيرًا يُعرف باسم Arabidopsis thaliana، أو نبات الأرابيدوبسيس، لمحاكاة اللمس.
وقاموا بتمرير فرشاة طلاء ناعمة على نباتات عمرها 12 يومًا نحو 10 مرات، لتبدأ بعدها سلسلة سريعة من الإشارات داخل الخلايا.
وأظهرت النتائج أن البروتينات MAPKKK3 وMAPKKK4 وMAPKKK5 ساعدت في بدء الإشارة، ثم نقلتها إلى بروتينَي MKK4 وMKK5، اللذين فعّلا بدورهما بروتينَي MPK3 وMPK6.
وأصبح بروتينا MPK3 وMPK6 نشطين خلال نحو دقيقة واحدة من لمس النبات، وظل نشاطهما مرتفعًا لنحو 10 دقائق، قبل أن يتراجع بشكل كبير بعد نحو 20 دقيقة.
اللمس يغير نشاط مئات الجينات
فحص الباحثون نشاط الجينات بعد 22 دقيقة من تعريض النباتات للفرشاة، ووجدوا أن 2032 جينًا تغير نشاطها في النباتات الطبيعية استجابة للمس.
وبمقارنة هذه النتائج بتجارب سابقة، حدد الفريق 1168 جينًا ظهرت بصورة متكررة ضمن الاستجابة المبكرة للنباتات للمس، وكان كثير من هذه الجينات يعتمد على عمل البروتينين MKK4 وMKK5 بصورة طبيعية.
وعندما غاب البروتينان معًا، تغير سلوك 905 جينات من الجينات المستجيبة للمس، بينما لم ينشط 779 جينًا منها بالقدر المعتاد بعد التعرض للمس.
وتكتسب هذه النتائج أهمية لأن الجينات تحمل التعليمات التي تحدد ما ستقوم به الخلايا لاحقًا. وبالتالي، يمكن لمجرد لمس ورقة نبات أن يطلق تغييرات تمتد إلى ما هو أبعد بكثير من نقطة التلامس الأولى.
تغييرات في البروتينات خلال دقائق
لم يقتصر تأثير اللمس على نشاط الجينات، إذ فحص الباحثون أيضًا التغيرات التي تحدث للبروتينات مباشرة بعد تعرض النباتات للمس.
ووجدوا أن العديد من البروتينات خضعت لعملية تُعرف باسم الفسفرة، وهي إضافة مجموعة كيميائية صغيرة إلى البروتين يمكن أن تغير طريقة عمله.
وبعد دقيقة واحدة فقط، رصد الباحثون تغيرات في 160 موقعًا بروتينيًا، ارتفع عددها إلى 321 موقعًا بعد ثلاث دقائق، ثم إلى 380 موقعًا بعد 10 دقائق.
وعلى مدار فترة الدراسة، سجل الباحثون تغيرات في 488 موقعًا بروتينيًا، وأصبح معظمها أكثر تعرضًا للفسفرة بعد اللمس.
كما فقدت النباتات التي تفتقر إلى MKK4 وMKK5 جزءًا كبيرًا من استجابتها البروتينية الطبيعية، ما يشير إلى أن هذين البروتينين يقعان في مركز مهم من مسار الإشارة المبكرة للمس.
ليس كل رد فعل يمر عبر المسار نفسه
تستخدم النباتات أيضًا هرمونًا يُعرف باسم حمض الياسمونيك عند تعرضها للجروح أو الإجهاد، وله دور مهم في العديد من استجابات الدفاع النباتية.
لذلك أراد الباحثون معرفة ما إذا كان هذا الهرمون يتحكم أيضًا في التغيرات السريعة التي تحدث للبروتينات بعد لمس النبات.
وأظهرت التجارب أن النباتات غير القادرة على إنتاج حمض الياسمونيك بدت مشابهة بصورة مفاجئة للنباتات الطبيعية خلال الدقائق العشر الأولى من التعرض للمس.
ويشير ذلك إلى أن حمض الياسمونيك قد يكون مهمًا لبعض الاستجابات الجينية اللاحقة، لكنه لا يتحكم في معظم التغيرات البروتينية المبكرة جدًا التي تحدث بعد اللمس.
وقال هوي كيونج تران، الباحث في علم الأحياء بجامعة لوند والمؤلف الأول للدراسة، إن الإشارة التي تبدأ خلال دقيقة واحدة يمكن أن تكون لها تأثيرات واسعة النطاق.
اللمس المتكرر يعيد تشكيل نمو النبات
لم يكتف الباحثون بدراسة الاستجابة التي تحدث خلال الدقائق الأولى، بل أرادوا معرفة ما إذا كان هذا المسار السريع يؤثر أيضًا في نمو النبات على المدى الأطول.
ولهذا السبب، قاموا بلمس النباتات المزروعة في التربة مرتين يوميًا بصورة متكررة، ثم تابعوا نموها.
وبعد أسبوعين، أدى تكرار اللمس إلى انخفاض مساحة الوردة الورقية للنباتات الطبيعية بنحو 38%.
وفي المقابل، انخفضت المساحة بنحو 20% فقط لدى النباتات التي كانت لديها مشكلات في الجزء الأول من سلسلة الإشارات.
أما النباتات التي تفتقر إلى MKK4 وMKK5، فقد أظهرت استجابة متوسطة، إذ انخفضت مساحة الوردة الورقية لديها بنحو 28%.
وتشير هذه النتائج إلى أن سلسلة الإشارات تساعد النباتات على تعديل نموها عندما تتعرض بصورة متكررة للإجهاد الميكانيكي.
كما أدى اللمس المتكرر إلى تأخير الإزهار في النباتات الطبيعية بنحو ثلاثة أيام.
وظهرت لدى النباتات المعدلة استجابة أقل في إحدى التجارب، إلا أن هذا الاختلاف لم يكن قويًا بدرجة تسمح للباحثين باستبعاد احتمال حدوثه بالصدفة.
لماذا تهم هذه النتائج؟
تتعرض النباتات في المزارع والحدائق والغابات والمراعي باستمرار لقوى ميكانيكية مختلفة، من بينها الرياح والأمطار والحشرات والحيوانات والأضرار الناتجة عن الاحتكاك.
ويساعد فهم الطريقة التي تستشعر بها النباتات هذه المؤثرات العلماء على تفسير سبب اختلاف نمو النبات نفسه تحت ظروف ميكانيكية وبيئية مختلفة.
وقد تكون لهذه المعرفة أهمية مستقبلية بالنسبة إلى المحاصيل الزراعية، خصوصًا أن الإجهاد الميكانيكي المتكرر يمكن أن يؤثر في حجم النباتات وقوتها وتطورها.
ومع ذلك، لا توضح الدراسة حتى الآن كيفية استخدام هذه النتائج في الزراعة بصورة مباشرة، إذ أُجريت التجارب بشكل أساسي على نبات الأرابيدوبسيس في ظروف محكومة، بينما تحتاج المحاصيل الزراعية والظروف الحقلية الحقيقية إلى دراسات مستقلة.
وقال فيكتور يوهانسون، طالب الدكتوراه في جامعة لوند، إن النباتات قد تبدو ساكنة وغير نشطة، لكنها تراقب باستمرار ما يحدث من حولها.
وأضاف أن فهم الآليات الجزيئية التي تقف وراء هذه الإشارات يمكن أن يساعد في تفسير كيفية تكيف النباتات مع بيئتها والتعامل مع الظروف المتغيرة، بما في ذلك تغير المناخ.
أول مستشعر للمس لا يزال مجهولًا
رغم أن الباحثين تمكنوا من تحديد جزء رئيسي من سلسلة الإشارات، فإنهم لم يتمكنوا بعد من تحديد الآلية التي تستشعر القوة الميكانيكية أولًا على سطح النبات.
فلا بد من وجود آلية تستشعر اللمس قبل بدء سلسلة إشارات MAP kinases، إلا أن هذه الحلقة الأولى لا تزال غير معروفة.
كما أن المسار المكتشف لا يفسر جميع الجينات التي تستجيب للمس. فمن بين 1168 جينًا شكلت الاستجابة المبكرة الأساسية، لم يتم تفسير استجابة 215 جينًا من خلال أنظمة الإشارة الرئيسية التي اختبرها الباحثون.
وبذلك، تكشف الدراسة جزءًا مهمًا من الصورة، لكنها تترك السؤال المتعلق بالمستشعر الأول للمس مفتوحًا أمام مزيد من البحث.
وما أصبح واضحًا هو أن حتى الاضطراب الجسدي البسيط يمكن أن يطلق سلسلة من التفاعلات الجزيئية داخل النبات خلال دقائق، وقد تنتهي هذه السلسلة بتغيير طريقة نموه.





