يواجه العالم معادلة صعبة بين الحاجة المتزايدة إلى بناء مساكن ومدارس ومكاتب وبنية تحتية جديدة، وبين ضرورة خفض الانبعاثات المسببة لتغير المناخ.
ومع النمو السكاني والحضري المتسارع، أصبح العالم يبني ما يعادل مدينة نيويورك كاملة كل شهر، وفق تقديرات مرتبطة بحجم التوسع في البيئة العمرانية عالميًا.
وتوفر هذه المشروعات مساكن وخدمات وبنية تحتية يحتاج إليها ملايين البشر، لكنها في الوقت نفسه تستهلك كميات هائلة من المواد والطاقة، وتنتج انبعاثات كبيرة من غازات الاحتباس الحراري.
وتشير دراسة حديثة إلى أن التحدي لم يعد يقتصر على خفض الانبعاثات الناتجة عن تشغيل المباني، بل يمتد إلى الانبعاثات المرتبطة بعملية البناء نفسها، والمعروفة باسم «الكربون المتجسد».
لماذا يحتاج العالم إلى المزيد من المباني؟
يساعد تشييد المباني الجديدة على تخفيف أزمة الإسكان وتوفير البنية الأساسية اللازمة للمجتمعات والمدن والاقتصادات.
وفي أستراليا، على سبيل المثال، يستهدف الاتفاق الوطني للإسكان بناء 1.2 مليون منزل جديد ومناسب الموقع بين عامي 2024 و2029.
لكن هذا الرقم يظل محدودًا مقارنة بالاحتياجات العالمية، إذ يحتاج العالم إلى نحو 96 ألف منزل جديد وميسور التكلفة يوميًا.
وتشير التقديرات إلى أن مئات الملايين من الأشخاص حول العالم يعانون التشرد، بينما يعيش واحد من كل أربعة أشخاص في ظروف سكنية غير ملائمة أو ضارة.
ومن ثم، فإن وقف البناء ليس خيارًا واقعيًا؛ فالمجتمعات تحتاج إلى مزيد من المساكن وأماكن العمل والمدارس والمرافق.
لكن المشكلة تكمن في كيفية البناء، وما إذا كان بالإمكان تلبية هذه الاحتياجات دون زيادة الضغوط على المناخ.
الكربون المتجسد.. التكلفة الخفية للبناء
كل مبنى جديد يحتاج إلى مواد وعمليات تصنيع ونقل وإنشاء، وكل هذه المراحل يمكن أن تطلق كميات كبيرة من غازات الاحتباس الحراري.
وتعرف الانبعاثات الناتجة عن إنتاج مواد البناء وعمليات التشييد باسم الكربون المتجسد.
ولتوضيح حجم المشكلة، فإن إنشاء متر مربع واحد من المساحة الأرضية يمكن أن يؤدي إلى إطلاق نحو نصف طن متري من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.
وعند ضرب هذا الرقم في ملايين الأمتار المربعة التي يجري تشييدها سنويًا حول العالم، يصبح حجم الانبعاثات هائلًا.
دراسة تكشف تكلفة المكاتب في أستراليا
بحثت الدراسة الجديدة اتجاهات تشييد مباني المكاتب في أستراليا، التي تمتلك حاليًا نحو 170 مليون متر مربع من المساحات المكتبية.
ومن المتوقع إضافة نحو 100 مليون متر مربع أخرى من المساحات المكتبية بحلول عام 2049.
وحلل الباحثون الانبعاثات الناتجة عن هذه المباني، بما يشمل الكربون المتجسد في مواد البناء، إلى جانب الكربون التشغيلي الناتج عن الاستخدام اليومي للمباني، مثل التدفئة والإضاءة والتبريد وتشغيل الأجهزة.
وخلصت الدراسة إلى أن مباني المكاتب الأسترالية قد تطلق نحو 138 مليون طن متري من غازات الاحتباس الحراري بين عامي 2024 و2049.
ويعادل هذا الحجم تقريبًا الانبعاثات السنوية الناتجة عن 36 محطة لتوليد الكهرباء تعمل بالفحم.
وتزداد أهمية هذه الأرقام عند إدراك أن المكاتب تمثل نحو 20% فقط من إجمالي المباني التجارية في أستراليا، ما يعني أن الانبعاثات المرتبطة بالقطاع العمراني الأوسع أكبر بكثير.
معضلة الكربون التشغيلي والمتجسد
تكشف الدراسة عن تحول مهم في طبيعة الانبعاثات المرتبطة بالمباني.
ففي عام 2024، مثلت الانبعاثات التشغيلية نحو 85% من إجمالي انبعاثات المباني، لكن من المتوقع أن تنخفض حصتها إلى نحو 15% بحلول عام 2049.
ويرتبط هذا التراجع بخطط أستراليا لإزالة الكربون من قطاع الطاقة، من خلال التحول من الوقود الأحفوري إلى الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وغيرها من مصادر الطاقة المتجددة.
لكن انخفاض الانبعاثات التشغيلية لا يعني أن مشكلة المباني قد حُلت.
فإذا استمر العالم في تشييد المباني بالسرعة والحجم الحاليين، فمن المرجح أن تظل الانبعاثات السنوية الناتجة عن مواد البناء عند مستويات مرتفعة.
ويصعب خفض الكربون المتجسد مقارنة بالكربون التشغيلي، لأن العديد من سلاسل توريد مواد البناء لا تزال تعتمد على الوقود الأحفوري وممارسات كثيفة الانبعاثات.
ويأتي الأسمنت في مقدمة هذه التحديات، إذ ترتبط صناعته بنحو 8% من إجمالي انبعاثات ثاني أكسيد الكربون عالميًا.
المباني تتجاوز ميزانيات الكربون
قارن الباحثون أيضًا انبعاثات مباني المكاتب في أستراليا بالمسارات المناخية التي تستهدف إبقاء مساهمة القطاع في الاحترار العالمي دون 1.5 أو درجتين مئويتين.
وأظهرت النتائج أن الانبعاثات التراكمية المتوقعة من قطاع المكاتب تتجاوز هذه المسارات بأكثر من 40%.
ويعني ذلك أن مباني المكاتب قد تستنفد ميزانياتها الكربونية خلال سنوات، إذا استمرت أنماط البناء الحالية دون تغييرات جوهرية.
وبرزت ولاية تسمانيا باعتبارها الاستثناء الأوضح، إذ تعتمد بصورة شبه كاملة على الطاقة المتجددة، كما أن عدد مباني المكاتب للفرد فيها أقل من العديد من المناطق الأسترالية الأخرى.
وبفضل ذلك، ظلت انبعاثاتها السنوية بصورة متواصلة تقريبًا أقل من المسار المتوافق مع هدف الحد من الاحترار عند 1.5 درجة مئوية.
الحل ليس دائمًا في بناء مبانٍ جديدة
ترى الدراسة أن أحد أهم الحلول يتمثل في إعادة التفكير في مفهوم التوسع العمراني نفسه.
فبدلًا من هدم المباني القديمة وبناء منشآت جديدة، يمكن في كثير من الحالات تجديد المباني القائمة وإعادة استخدامها، وهو ما يحد من الحاجة إلى مواد جديدة ويقلل الانبعاثات المرتبطة بالتشييد.
وتعرف هذه الفكرة باسم «الكفاية» أو Sufficiency، وتعني ببساطة استخدام الموارد والمساحات المتاحة بكفاءة أكبر بدلًا من افتراض أن الحل دائمًا هو البناء الجديد.
وتظهر برج كواي كوارتر في سيدني مثالًا عمليًا على ذلك.
فقد شُيد البرج في الأصل عام 1976، لكنه أصبح بحلول نهاية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين قديمًا وأقل ملاءمة للاحتياجات الحديثة.
وبدلًا من هدمه بالكامل، قام المعماريون بتوسعة المبنى وإعادة استخدام نحو ثلثي الهيكل الأصلي.
وأدى هذا النهج إلى زيادة المساحات المكتبية مع تجنب هدم المبنى بالكامل، وتوفير نحو 8 آلاف طن من الكربون المتجسد.
عندما يصبح التجديد أفضل من الهدم
تكشف التجربة أن إعادة تأهيل المباني القديمة يمكن أن تكون أداة مهمة لخفض الانبعاثات، خصوصًا عندما يكون الهيكل الأساسي للمبنى قابلًا لإعادة الاستخدام.
وهذا النهج يمكن أن يقلل الطلب على الأسمنت والحديد ومواد البناء الجديدة، إلى جانب تجنب الانبعاثات الناتجة عن الهدم ونقل مخلفات المباني.
وأظهرت الدراسة أن الجمع بين مجموعة من استراتيجيات خفض الكربون يمكن أن يقلل إجمالي انبعاثات قطاع المكاتب في أستراليا بأكثر من 47 مليون طن، ما يقرب القطاع بصورة أكبر من المسار المتوافق مع هدف الحد من الاحترار إلى درجتين مئويتين.
الكربون المتجسد.. التحدي القادم
تشير نتائج الدراسة إلى أن الكربون المتجسد قد يتجاوز الكربون التشغيلي خلال العقد المقبل ليصبح المصدر الأكبر لانبعاثات المباني.
وتكمن المشكلة في أن معظم الدول لا تفرض حتى الآن حدودًا صارمة على الانبعاثات الناتجة عن مواد البناء وعمليات التشييد.
وترى الدراسة أن أستراليا بحاجة إلى البدء في تنظيم هذه الانبعاثات، على غرار دول أخرى مثل الدنمارك وفنلندا وفرنسا وهولندا والسويد، التي اتخذت بالفعل خطوات لتنظيم الكربون المتجسد في قطاع البناء.
كما يمكن للحكومات تقديم حوافز لشركات البناء والمطورين لتجديد المباني القديمة بدلًا من هدمها وإعادة بنائها.
وقد تبنت عدة مجالس محلية في المملكة المتحدة سياسات تعرف باسم «التجديد أولًا»، والتي تلزم المطورين بدراسة خيارات إعادة تأهيل المباني القائمة قبل اتخاذ قرار هدمها واستبدالها.
معادلة صعبة لمدن المستقبل
يحتاج العالم إلى ملايين المنازل الجديدة وأماكن العمل والمدارس والمرافق المجتمعية مع استمرار نمو السكان والمدن.
لكن مواجهة تغير المناخ تتطلب تغيير الطريقة التي ننظر بها إلى البناء.
فالمطلوب ليس وقف التوسع العمراني، وإنما بناء ما يحتاج إليه الناس بأقل تكلفة مناخية ممكنة، مع إعطاء الأولوية لإعادة استخدام المباني القائمة، وتصميم منشآت أصغر وأكثر كفاءة، والاعتماد على مواد منخفضة الكربون، وتشديد القيود على الانبعاثات الناتجة عن مواد البناء.
وفي ظل بناء ما يعادل مدينة بحجم نيويورك كل شهر، فإن القرارات التي تتخذها المدن والحكومات وقطاع البناء اليوم ستحدد إلى حد كبير حجم الانبعاثات التي ستظل عالقة في الغلاف الجوي لعقود قادمة.
