مليار شخص يتعرضون لموجات الحر ودخان حرائق الغابات في العام نفسه.. وأفريقيا الأكثر تضررًا
تغير المناخ يضاعف مخاطر الحرائق والحرارة.. الدول منخفضة الدخل تتحمل العبء الأكبر
كشفت دراسة عالمية، أن نحو 916 مليون شخص يتعرضون سنويًا لموجات الحر ودخان حرائق الغابات في اليوم نفسه، مع تركز العبء الأكبر في دول لا تحظى عادة بالاهتمام الدولي نفسه الذي تحظى به المناطق المعروفة بحرائق الغابات، وفي مقدمتها زامبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وملاوي.
وأظهرت نتائج التحليل أن عدد الأشخاص الذين يواجهون هذين الخطرين البيئيين بصورة متزامنة ارتفع خلال الفترة من 2000 إلى 2019، بمعدل بلغ 287 مليون شخص إضافي كل عقد، موضحة أن العامل الرئيسي وراء هذه الزيادة هو تزايد موجات الحر، وليس بالضرورة ارتفاع عدد أيام دخان الحرائق.
وقادت الدراسة ياو وو، من كلية الصحة العامة والطب الوقائي بجامعة موناش الأسترالية، بالتعاون مع الباحثين يومينج جو وشانشان لي، وبمشاركة باحثين من جامعة بكين وجامعة تسمانيا.
ونُشرت الدراسة كاملة في دورية Science Advances العلمية، واعتمد الفريق على مطابقة بيانات درجات الحرارة اليومية مع تقديرات تركيز دخان الحرائق في الهواء، عبر شبكة جغرافية قُسمت إلى مربعات يبلغ عرض كل منها نحو 28 كيلومترًا، ثم دمج هذه البيانات مع خرائط توزيع السكان لتقدير أعداد الأشخاص المعرضين للخطر.

موجات الحر تقود الزيادة في التعرض المشترك
ارتفع متوسط عدد الأيام التي يتعرض فيها الفرد لموجات الحر ودخان الحرائق معًا من يوم واحد سنويًا خلال العقد الأول من الدراسة إلى 1.7 يوم خلال العقد الثاني.
وعندما حلل الباحثون مصادر هذه الزيادة، وجدوا أن 70.5% منها يرجع إلى زيادة عدد الأيام التي يتعرض فيها السكان للخطرين معًا، بينما ارتبطت النسبة المتبقية، البالغة 29.5%، بالنمو السكاني.
وفي مقابلة مع موقع «إيرث دوت كوم» (Earth.com)، أوضحت ياو وو أن المشكلة تتفاقم أساسًا لأن الناس يواجهون هذين الخطرين بصورة متزامنة بوتيرة أكبر، وليس لمجرد زيادة أعداد السكان.
وتشير البيانات إلى أن أيام موجات الحر زادت في 87% من المربعات الجغرافية التي شملتها الخريطة، في حين ارتفعت أيام التعرض لدخان الحرائق في 28% فقط منها، وتركزت هذه الزيادة بدرجة كبيرة في أمريكا الشمالية.
ويعني ذلك أن نسبة أكبر من الأيام التي تشهد وجود دخان الحرائق باتت تتزامن مع موجات الحر، بينما لم تتغير بصورة كبيرة نسبة أيام موجات الحر التي يصاحبها دخان الحرائق.
ورصدت الدراسة أيضًا نمطًا زمنيًا واضحًا للعلاقة بين الظاهرتين؛ إذ بدأ احتمال انطلاق موجة من دخان الحرائق في الارتفاع قبل نحو يومين من بداية موجة الحر، ووصل إلى ذروته في اليوم الأول منها.

كيف حدد الباحثون أيام التعرض المشترك؟
اعتمدت الدراسة تعريفات محددة لرصد الأيام التي يتزامن فيها الخطران، واعتبر الباحثون، أن اليوم يُصنف يومًا للتعرض للدخان إذا تجاوزت مستويات الجسيمات الدقيقة أو الأوزون في الهواء الإرشادات اليومية لمنظمة الصحة العالمية، على أن يكون ما لا يقل عن نصف هذا التلوث ناتجًا عن حرائق الغطاء الأرضي، وهي فئة تشمل حرائق الغابات والمراعي وحرق مخلفات المحاصيل الزراعية.
أما موجة الحر، فعُرّفت بأنها يومان متتاليان على الأقل تتجاوز فيهما درجات الحرارة المئين التسعين المحلي، أي أن الحرارة تكون أعلى من تلك المسجلة في 90% من الأيام خلال الفترة المرجعية.
وأوضح الباحثون، أنهم اختاروا هذا التعريف، الذي يُعد من أكثر التعريفات الشائعة تساهلًا، بهدف رصد أكبر عدد ممكن من الأيام الحارة التي يمكن أن تتداخل مع التعرض لدخان الحرائق.

أفريقيا تتحمل النصيب الأكبر من التعرض المشترك
استحوذت القارة الأفريقية على نحو 39% من إجمالي أيام التعرض المشترك على مستوى الأشخاص، ويُقصد بيوم التعرض المشترك احتساب تعرض شخص واحد للخطرين في يوم واحد.
وأظهرت المقارنة بين مستويات الدخل تفاوتًا كبيرًا في حجم التعرض؛ إذ بلغ متوسط الأيام التي يتعرض فيها الفرد لموجات الحر ودخان الحرائق معًا في الدول منخفضة الدخل 4.4 يوم سنويًا، مقابل 0.4 يوم فقط في الدول مرتفعة الدخل.
واتسعت هذه الفجوة على مدار العقدين اللذين شملتهما الدراسة، لأن الدول منخفضة الدخل سجلت أيضًا أسرع زيادة في التعرض المشترك.
وخلال الفترة من 2010 إلى 2019، استحوذت خمس دول على نصف إجمالي أيام التعرض المشترك للأشخاص، وهي جمهورية الكونغو الديمقراطية وإندونيسيا والمكسيك والبرازيل وروسيا.
لكن عند مقارنة متوسط عدد أيام التعرض لكل فرد سنويًا، ظهرت قائمة مختلفة؛ إذ تصدرت زامبيا الترتيب بمتوسط 28.8 يومًا سنويًا، تلتها جمهورية الكونغو الديمقراطية بواقع 24.3 يومًا، ثم ملاوي بمتوسط 21.7 يومًا.
وقالت وو إن هذه النتائج توضح أن بعض الدول الأكثر تعرضًا للخطرين لا تحظى بالضرورة بأكبر قدر من الاهتمام الدولي فيما يتعلق بحرائق الغابات.

كمبوديا تسجل قفزة مفاجئة في التعرض
وعندما سُئلت وو عن الدولة التي شهدت اتجاهًا فاجأ فريق البحث أكثر من غيرها، أشارت إلى كمبوديا، التي سجلت ارتفاعًا كبيرًا في ترتيبها من حيث متوسط أيام التعرض المشترك للفرد.
ففي العقد الأول من الدراسة، احتلت كمبوديا المرتبة الأربعين بمتوسط 1.6 يوم سنويًا، لكنها صعدت إلى المرتبة التاسعة خلال العقد الثاني، بعدما ارتفع المتوسط إلى 12.1 يومًا سنويًا.
وقالت وو، إن ما يجعل هذه النتيجة لافتة بشكل خاص هو أن كمبوديا شهدت نموًا اقتصاديًا كبيرًا خلال هذه الفترة، لكن التعرض المتزامن لهذه المخاطر البيئية ارتفع أيضًا بصورة حادة.
وأضافت أن التنمية الاقتصادية لا تؤدي بالضرورة إلى انخفاض مستويات التعرض للمخاطر البيئية.
وسجلت جمهورية الكونغو الديمقراطية أكبر زيادة مطلقة في متوسط أيام التعرض للفرد، إذ ارتفع من 11.8 يوم سنويًا إلى 24.3 يوم.
وفي المقابل، شهدت أوروبا وأوقيانوسيا انخفاضات طفيفة في التعرض المشترك، لكنها كانت محدودة إلى درجة لا تسمح بتمييزها إحصائيًا عن التغيرات العشوائية.
كيف يمكن الوقاية من الحر ودخان الحرائق؟
شددت وو على أهمية اتخاذ تدابير وقائية تراعي الخطرين في الوقت نفسه، بدلًا من التعامل مع موجات الحر ودخان الحرائق باعتبارهما تهديدين منفصلين.
وتشمل الإجراءات المقترحة متابعة التحذيرات المحلية المتعلقة بدرجات الحرارة وجودة الهواء، والحد من الأنشطة الخارجية، خصوصًا التمارين البدنية الشاقة، والبقاء في أماكن باردة يتوافر فيها هواء نظيف.
كما يمكن أن يساعد استخدام أجهزة تكييف الهواء وتنقية الهواء، إلى جانب شرب كميات كافية من المياه، في الحد من التعرض للمخاطر.
لكن وو أوضحت أن بعض التدابير الوقائية الخاصة بالحرارة قد تتعارض مع الإجراءات اللازمة للحماية من دخان الحرائق؛ فعلى سبيل المثال، قد يساعد فتح النوافذ على تبريد المنزل، لكنه قد يسمح في الوقت نفسه بدخول الدخان الملوث إلى الداخل.
وبالنسبة للأسر التي لا تمتلك أجهزة تكييف أو فلاتر لتنقية الهواء، اقترحت وو استخدام وسائل تظليل النوافذ وتقليل مصادر الحرارة داخل المنازل.
كما يمكن اللجوء إلى الأماكن العامة التي توفر التبريد وهواءً أنظف، مع إيلاء اهتمام خاص لكبار السن والأطفال والأشخاص الذين يعانون حالات صحية سابقة.
ما الذي لم ترصده الدراسة؟

أوضح الباحثون أن الدراسة قاست التعرض لموجات الحر ودخان الحرائق، لكنها لم تتتبع الآثار الصحية التي قد تترتب عليهما؛ إذ لم تجمع بيانات عن إصابة الأشخاص بالأمراض أو ما حدث لصحتهم بعد التعرض، ولذلك تقتصر نتائجها على تقدير عدد الأشخاص الذين استنشقوا الدخان خلال الأيام الحارة.
وتشير دراسات سابقة إلى أن التعرض المشترك للحرارة ودخان الحرائق قد يكون أكثر ضررًا من مجموع التأثيرات الناتجة عن كل منهما على حدة، لكن الدراسة الحالية لم تختبر هذه الآثار الصحية بصورة مباشرة.
كما اعتمدت تقديرات التعرض للدخان على نموذج حاسوبي لمحاكاة الغلاف الجوي، مع التحقق من النتائج باستخدام بيانات محطات الرصد الأرضية في المناطق التي تتوافر فيها هذه المحطات.
وأشار الباحثون إلى أن النموذج لا يستطيع تحديد ارتفاع عمود الدخان بدقة كاملة في جميع الحالات، ما قد يؤدي إلى المبالغة في تقدير التلوث بالقرب من موقع الحريق، أو التقليل من مستوياته في المناطق الواقعة باتجاه انتقال الدخان. كذلك لم تشمل حسابات الدراسة غاز أول أكسيد الكربون.
وتتوقف البيانات التي حللتها الدراسة عند نهاية عام 2019، ولذلك لا تقدم تقديرًا رقميًا للتغيرات التي حدثت بعد ذلك التاريخ.
وقالت وو إن موجات الحر والحرائق التي وقعت منذ ذلك الحين تثير مخاوف من استمرار ارتفاع التعرض المشترك، خصوصًا في الدول منخفضة الدخل، لكن فريق البحث لا يستطيع حتى الآن تحديد حجم هذه الزيادة بالأرقام.
ويتمثل أحد المسارات البحثية المقبلة في استخدام الخرائط التي أعدها الفريق لدراسة التأثيرات الصحية للتعرض المتزامن للحرارة ودخان الحرائق، مع التركيز على الدول التي لم تحظَ باهتمام بحثي كافٍ.
كما يمكن أن تساعد النتائج في تطوير أنظمة إنذار مبكر تتعامل مع موجات الحر وتلوث الهواء الناتج عن الحرائق بصورة متكاملة، بدلًا من إصدار تحذيرات منفصلة لكل خطر.





