موجات الحر تقتل بصمت داخل المنازل.. دراسة تحذر: الشباب الأصحاء ليسوا بمنأى عن الخطر
تزداد موجات الحر شدة وتكرارًا حول العالم بفعل التغير المناخي، لكن الخطر الأكبر قد لا يكون في الشوارع أو تحت أشعة الشمس المباشرة، بل داخل المنازل نفسها.
فقد كشفت دراسة حديثة أن ارتفاع درجات الحرارة داخل المنازل غير المجهزة بالتبريد يمكن أن يحولها إلى بيئات قاتلة، حتى بالنسبة للشباب والأشخاص الأصحاء، خاصة أثناء انقطاع الكهرباء أو فترات الحر الطويلة.
وأوضحت الدراسة، التي أجراها باحثون من جامعة تكساس في أوستن، أن معظم الوفيات المرتبطة بالحرارة تحدث داخل المباني، حيث تحتبس الحرارة لساعات طويلة، وتفقد الأجسام قدرتها على التخلص من الحرارة الزائدة، ما يرفع خطر الإصابة بالإجهاد الحراري وضربات الشمس وأمراض القلب والكلى.
المنازل تتحول إلى “بيوت زجاجية”
عندما تتوقف أجهزة التكييف بسبب انقطاع الكهرباء، تبدأ المنازل في العمل مثل البيوت الزجاجية، إذ تتسلل الحرارة عبر النوافذ والجدران وتبقى محاصرة في الداخل.
ومع مرور الوقت ترتفع درجات الحرارة الداخلية إلى مستويات قد تتجاوز الحرارة الخارجية، خصوصًا في الطوابق العليا والغرف المواجهة للشمس.
ويحذر الباحثون من أن الخطر يتفاقم عندما تبقى درجات الحرارة مرتفعة خلال الليل، لأن الجسم لا يحصل على فرصة للتعافي والتبريد. وبعد يومين أو ثلاثة أيام من التعرض المتواصل للحرارة المرتفعة، يمكن أن يصبح حتى الأشخاص الأصحاء عرضة لمشكلات صحية خطيرة.
معظم الوفيات تحدث داخل المنازل
تشير البيانات إلى أن موجة الحر التاريخية التي ضربت شمال غرب أمريكا
عام 2021 وأسفرت عن أكثر من 600 وفاة في مقاطعة بريتيش كولومبيا الكندية، شهدت وقوع 98% من الوفيات داخل المنازل.
وفي أوروبا، حيث لا تتجاوز نسبة المنازل المزودة بمكيفات الهواء 10%، تسببت موجات الحر في وفاة نحو 60 ألف شخص عام 2022، و47 ألفًا آخرين عام 2023، وكان معظم الضحايا داخل مبانٍ لم تُصمم للتعامل مع درجات الحرارة القياسية الحالية.
كيف يفشل الجسم في مواجهة الحرارة؟
يحافظ جسم الإنسان عادة على درجة حرارة داخلية تبلغ نحو 37 درجة مئوية. وللتبريد، يزيد تدفق الدم إلى الجلد ويُفرز العرق الذي يتبخر ليخفض حرارة الجسم.
لكن عندما ترتفع درجة حرارة الهواء وتزداد الرطوبة، تتراجع كفاءة هذه الآلية. وإذا تجاوزت حرارة الجسم الداخلية 40 درجة مئوية تبدأ أنظمة تنظيم الحرارة في الفشل، بينما يصبح خطر الوفاة مرتفعًا عندما تصل الحرارة الداخلية إلى نحو 42.8 درجة مئوية.
ويؤكد العلماء أن الرطوبة المرتفعة تجعل الوضع أكثر خطورة لأنها تمنع تبخر العرق، وهو الوسيلة الأساسية لتبريد الجسم.
الحرارة داخل المنزل قد تكون أعلى مما يظهره الترمومتر
أحد الأسباب التي تجعل الناس يستهينون بالمخاطر هو اعتمادهم على قراءة منظم الحرارة (الثرموستات) الموجود في غرفة واحدة فقط.
لكن هذه القراءة لا تعكس دائمًا الحرارة الفعلية التي يشعر بها السكان في غرف النوم العلوية أو بالقرب من النوافذ المشمسة.
ففي المنازل القديمة ضعيفة العزل، يمكن أن يشعر الأشخاص بدرجات حرارة تتجاوز 32 درجة مئوية، رغم أن الثرموستات يشير إلى 24 درجة فقط، كما تسهم الجدران والأسقف والنوافذ الساخنة في إشعاع الحرارة مباشرة نحو الجسم.
دراسة شملت أكثر من 213 ألف منزل
اعتمد الباحثون على بيانات أكثر من 213 ألف منزل مستقل في مدينة أوستن الأمريكية، واستخدموا نماذج حاسوبية متقدمة لمحاكاة تأثير موجة حر شديدة مصحوبة بانقطاع الكهرباء لمدة ثلاثة أيام، مع تجاوز درجات الحرارة الخارجية 43 درجة مئوية.
وأظهرت النتائج أن:
85% من المنازل وصلت إلى مستويات حرارة تشكل خطرًا كبيرًا على كبار السن.
نحو 15% من المنازل الحالية يمكن أن تصبح خطرة حتى على البالغين الأصحاء عند غياب التبريد.
مع استمرار الاحترار العالمي، قد ترتفع هذه النسبة إلى 65% بحلول نهاية القرن إذا وصلت درجات الحرارة الصيفية إلى 40 درجة مئوية في المتوسط.
ثلاثة أنواع من المنازل
صنّف الباحثون المنازل إلى ثلاث فئات رئيسية:
– منازل مرنة: وهي الأحدث والأفضل عزلًا، وتمكنت من الحفاظ على ظروف معيشية آمنة نسبيًا طوال فترة الموجة الحارة.
– منازل عالية الخطورة: غالبًا ما تكون قديمة وضعيفة العزل، وترتفع حرارتها بسرعة إلى مستويات خطيرة.
– منازل متوسطة الخطورة: ترتفع حرارتها تدريجيًا، ما قد يمنح السكان شعورًا زائفًا بالأمان قبل أن تصبح الأوضاع خطرة بعد أيام من التعرض للحر.
التغير المناخي يزيد التهديد
يرى الباحثون، أن المشكلة مرشحة للتفاقم مع ارتفاع درجات الحرارة عالميًا وزيادة تكرار موجات الحر وانقطاعات الكهرباء الناتجة عن الضغط المتزايد على شبكات الطاقة.
وأشاروا إلى أن مدينة أوستن نفسها قد تشهد تضاعف عدد موجات الحر بحلول نهاية القرن، ما يعني تعرض أعداد أكبر من السكان لمخاطر الحرارة داخل المنازل.
كيف يمكن حماية السكان؟
يوصي الخبراء بعدد من الإجراءات لتقليل المخاطر خلال موجات الحر، أبرزها:
- الانتقال إلى الطوابق السفلية من المنزل حيث تكون الحرارة أقل.
- إغلاق الستائر والنوافذ المعرضة لأشعة الشمس المباشرة.
- شرب المياه بانتظام لتجنب الجفاف.
- استخدام المناشف المبللة أو الاستحمام بالماء البارد.
- متابعة كبار السن والأشخاص الذين يعيشون بمفردهم.
- اللجوء إلى مراكز التبريد العامة عند الضرورة.
كما يدعو الباحثون إلى تحديث معايير البناء بحيث تتمكن المنازل الجديدة من الحفاظ على ظروف آمنة للسكان لمدة لا تقل عن 72 ساعة خلال موجات الحر وانقطاع الكهرباء.
أزمة صحية تتجاوز الطقس
تؤكد الدراسة أن موجات الحر لم تعد مجرد ظاهرة مناخية عابرة، بل أصبحت تحديًا صحيًا وبنيويًا يهدد ملايين الأشخاص داخل منازلهم.
ومع استمرار الاحترار العالمي، قد تتحول قدرة المباني على مقاومة الحرارة إلى عامل حاسم في إنقاذ الأرواح، تمامًا كما هو الحال مع المستشفيات وشبكات المياه والطاقة.
وتخلص الدراسة إلى أن التكيف مع المستقبل الأكثر حرارة لا يقتصر على توفير أجهزة التكييف، بل يتطلب إعادة تصميم المدن والمنازل لتكون أكثر قدرة على حماية السكان من أحد أكثر أخطار التغير المناخي فتكًا: الحرارة الصامتة داخل الجدران.
