موجات الحر الشديدة والجفاف مرشحة للتصاعد عالميًا وتأثيرها سيطال مليارات البشر
تكمن خطورة الظواهر المناخية المتطرفة في أنها لا تحدث بشكل منفصل، بل تعزز بعضها بعضًا؛ فالتربة الجافة تسهّل ارتفاع درجات الحرارة، بينما تؤدي الحرارة الشديدة إلى سحب المزيد من الرطوبة من الأرض.
وعندما تجتمع هذه العوامل، قد تتسبب في فشل المحاصيل، ونقص المياه، واندلاع حرائق الغابات، وخلق بيئات عمل خطرة في الوقت نفسه.
تشير دراسة جديدة إلى أن هذا النوع من الظواهر المناخية المركبة، التي تجمع بين الحرارة والجفاف، مرشح لأن يصبح أكثر شيوعًا بشكل كبير.
وفي ظل السياسات المناخية الحالية، قد يتعرض جزء كبير من سكان العالم لأشد أشكال هذه الظواهر بحلول نهاية القرن الحادي والعشرين.
تزايد الظواهر المناخية المركبة
قسّم الباحثون سطح اليابسة إلى شبكة من الخلايا، واحتسبوا عدد مرات تعرض كل منطقة لأحداث تجمع بين الحرارة المرتفعة والجفاف.
وتشير التقديرات إلى أنه خلال الفترة من 2001 إلى 2020، شهدت اليابسة عالميًا نحو أربع حالات سنويًا من هذه الظواهر، أي ما يقارب ضعف المعدل خلال الفترة ما قبل الصناعية (1850–1900).
وعرّف الباحثون “الحدث الحار-الجاف” بأنه يوم تتجاوز فيه درجات الحرارة أعلى 10% من السجلات السابقة، مع وجود جفاف متوسط على الأقل، مقارنة بمرجع الفترة 1961–1990.
تحديات التنبؤ بالمستقبل
لتحليل المستقبل، اعتمد الفريق على 152 محاكاة مستمدة من ثمانية نماذج مناخية، إلى جانب سيناريوهات مختلفة للاحترار السكاني والمناخي الواردة في تقرير التقييم السادس للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ.
ويتطلب هذا النوع من الدراسات معالجة كميات هائلة من البيانات المناخية، وربطها بتأثيراتها الفعلية على البشر، وليس مجرد خرائط نظرية، كما أن تزايد اضطراب المناخ يجعل التنبؤ أكثر صعوبة، في ظل تسارع التغيرات الحالية.
نتائج مقلقة للغاية
في السيناريو الأقرب للمسار الحالي للعالم، تبدو النتائج مثيرة للقلق؛ إذ من المتوقع أن يعيش نحو 28% من سكان العالم، أي ما يقارب 2.6 مليار شخص، في ظل مستويات مرتفعة من الظواهر الحارة والجافة بحلول تسعينيات هذا القرن.
وستصبح هذه الظواهر أكثر احتمالًا بأكثر من خمس مرات مقارنة بالفترة المرجعية (1961–1990)، وللمقارنة، يُقدّر أن نحو 6.6% فقط من سكان العالم سيتعرضون لهذا المستوى من المخاطر خلال ثلاثينيات القرن الحالي.
ظواهر أكثر تكرارًا وطولًا
لا تشير التوقعات فقط إلى زيادة عدد الأيام الحارة والجافة، بل إلى تحولها إلى نمط متكرر في العديد من المناطق.
ومن المتوقع أن تصل هذه الظواهر إلى نحو 10 مرات سنويًا في المتوسط عالميًا بحلول نهاية القرن.
كما يُرجح أن تمتد أطول هذه الأحداث لنحو 15 يومًا، بزيادة تبلغ 2.4 مرة في التكرار و2.7 مرة في المدة مقارنة بالعقود الأخيرة.
ويرى الباحثون أن هذه الاتجاهات لا تعود إلى التقلبات الطبيعية وحدها، بل ترتبط بشكل مباشر بالاحترار الناتج عن الأنشطة البشرية.
الدول الأكثر تضررًا ليست الأكبر انبعاثًا
تكشف الدراسة عن مفارقة واضحة، إذ ستتحمل الدول منخفضة الدخل في المناطق المدارية وعلى مقربة من خط الاستواء العبء الأكبر من هذه الظواهر.
وتشمل هذه المناطق دولًا جزرية مثل موريشيوس وفانواتو، التي تمتلك موارد محدودة للتكيف مع الأزمات المناخية.
وتواجه هذه الدول تحديات كبيرة، مثل ضعف البنية التحتية، وقلة القدرة على توفير التبريد أو التعامل مع نقص المياه وارتفاع أسعار الغذاء.
خفض الانبعاثات يحد من المخاطر
تشير الدراسة إلى أن هذا السيناريو ليس حتميًا، إذ يمكن أن يؤدي اتخاذ إجراءات مناخية أكثر صرامة إلى تقليل حجم المخاطر.
ففي حال التزام الدول بتعهداتها ضمن اتفاق باريس وتنفيذ خطط طويلة الأمد، قد تنخفض نسبة السكان المعرضين لهذه الظواهر من 28% إلى نحو 18% بحلول نهاية القرن.
ورغم أن هذا الرقم لا يزال مرتفعًا (نحو 1.7 مليار شخص)، فإنه يمثل انخفاضًا يقارب الثلث مقارنة بالسيناريو الحالي.
تداعيات واقعية على الحياة اليومية
لا تقتصر هذه النتائج على الأرقام، بل تعكس مستقبلًا قد يشهد قيودًا على المياه، وخسائر في المحاصيل والثروة الحيوانية، وتقلبات في أسعار الغذاء، ومخاطر صحية متزايدة نتيجة الحرارة الشديدة.
ونظرًا لطبيعة هذه الظواهر المركبة، فإن آثارها تتضاعف؛ إذ يؤدي الجفاف إلى إضعاف المحاصيل، بينما تسرّع الحرارة من تدهورها، وتزيد احتمالات اندلاع الحرائق، ما يضع المجتمعات أمام أزمات متزامنة.
الخلاصة أن استمرار السياسات الحالية قد يجعل من التعرض للحرارة والجفاف الشديدين واقعًا يوميًا لمليارات البشر، مع تأثيرات أشد على الدول الأقل مساهمة في الانبعاثات.
