كشفت دراسة علمية حديثة عن ارتباط مقلق بين استهلاك المشروبات السكرية وزيادة خطر الإصابة بالقلق لدى المراهقين، في مؤشر جديد يوسّع دائرة المخاوف الصحية المرتبطة بهذه المشروبات، لتشمل الصحة النفسية إلى جانب التأثيرات المعروفة على الوزن والتمثيل الغذائي.
وأظهرت الدراسة، التي اعتمدت على تحليل بيانات تسع دراسات سابقة شملت فئات عمرية شابة، أن المراهقين الذين يستهلكون كميات أكبر من المشروبات المحلاة بالسكر ترتفع لديهم احتمالات الإصابة بأعراض القلق بنسبة تصل إلى 34%.
ويعكس هذا الرقم اتجاهًا متكررًا رُصد عبر دراسات متعددة، ما يعزز فرضية وجود علاقة بين نمط الاستهلاك والصحة النفسية.
وأوضح باحثون من Bournemouth University أن النتائج، رغم أهميتها، لا تثبت علاقة سببية مباشرة، نظرًا لاعتماد الدراسات على الملاحظة دون التدخل في سلوك المشاركين، ومع ذلك، فإن تكرار النتائج عبر بيئات مختلفة يعزز من قوة المؤشر التحذيري.
نطاق واسع من المشروبات
شملت الدراسة مجموعة متنوعة من المشروبات، منها الصودا، ومشروبات الطاقة، والعصائر المحلاة، والحليب المنكّه، بالإضافة إلى الشاي والقهوة المضاف إليهما السكر.
ويجمع بين هذه الأنواع احتواؤها على سكريات مضافة ترفع السعرات الحرارية دون قيمة غذائية تُذكر.
وتُعد مشروبات الطاقة حالة خاصة، نظرًا لاحتوائها على الكافيين إلى جانب السكر، وهو ما قد يؤدي إلى تسارع ضربات القلب واضطرابات النوم، وهي أعراض تتقاطع مع حالات القلق.
القلق في سن المراهقة
بحسب World Health Organization، تُعد اضطرابات القلق من أكثر المشكلات النفسية شيوعًا خلال مرحلة المراهقة، مع تزايد ملحوظ في معدلاتها خلال السنوات الأخيرة.
وفي هذا السياق، لم تعد المشروبات اليومية التي يستهلكها الطلاب بين الحصص الدراسية أمرًا بسيطًا، بل عنصرًا محتمل التأثير في حالتهم النفسية.
قراءة دقيقة للنتائج
يشير الرقم (34%) إلى زيادة في الاحتمالات على مستوى الدراسات، وليس بالضرورة على مستوى كل فرد.
كما أن سبعًا من أصل تسع دراسات أظهرت ارتباطًا واضحًا، بينما لم تصل دراستان إلى نفس النتيجة، ما يعكس وجود تباين نسبي.
كما أظهرت الدراسات التي تابعت المشاركين على مدار عام وجود ارتباطات صغيرة لكنها مستمرة، ما يشير إلى أن التأثير المحتمل لا يختفي سريعًا.
لماذا لا يمكن الجزم بالسبب؟
تعتمد هذه النتائج على دراسات رصدية، ما يترك الباب مفتوحًا لاحتمالات أخرى، مثل أن المراهقين الذين يعانون من القلق قد يلجأون إلى المشروبات السكرية كوسيلة للتخفيف أو لتحسين المزاج.
كما أن عوامل أخرى، مثل الضغوط الأسرية، وقلة النوم، والظروف الاقتصادية، قد تسهم في كل من زيادة القلق وارتفاع استهلاك السكر، ما يعقّد تحديد السبب المباشر.
تفسيرات بيولوجية محتملة
تشير تفسيرات علمية إلى أن الاستهلاك السريع للسكر قد يؤدي إلى ارتفاع مؤقت في الطاقة يتبعه هبوط مفاجئ، ما يسبب تقلبات في المزاج والشعور بالإرهاق أو التوتر.
كما أن الكافيين الموجود في بعض هذه المشروبات قد يزيد من معدل ضربات القلب والتنفس، وهي أعراض قد تتشابه مع نوبات القلق أو تعزز الإحساس بها.
حلقة متبادلة بين القلق والسكر
ترجّح الدراسة أيضًا وجود علاقة عكسية، حيث قد يدفع القلق المراهقين إلى استهلاك المزيد من المشروبات السكرية بحثًا عن طاقة سريعة أو شعور مؤقت بالراحة.
وتزداد هذه الحلقة تعقيدًا مع قلة النوم، إذ يلجأ الطلاب المرهقون إلى هذه المشروبات لتعويض التعب، ما قد يعزز دائرة التأثير المتبادل بين القلق والسكر.
ماذا تعني النتائج عمليًا؟
لا تدعو الدراسة إلى القلق المفرط، بقدر ما تفتح الباب أمام إعادة تقييم العادات اليومية للمراهقين.
إذ يمكن للآباء والمدارس ومقدمي الرعاية الصحية التعامل مع استهلاك المشروبات السكرية كمؤشر محتمل على ضغوط نفسية، وليس مجرد مسألة تغذية.
كما تؤكد الحاجة إلى إجراء دراسات مستقبلية أكثر عمقًا، تعتمد على تتبع طويل الأمد أو تدخلات مباشرة، لتحديد ما إذا كان تقليل استهلاك هذه المشروبات يؤدي فعليًا إلى تحسن في الصحة النفسية.
خطوة نحو فهم أوسع
نُشرت الدراسة في دورية Journal of Human Nutrition and Dietetics، وتُعد جزءًا من اتجاه بحثي متنامٍ يربط بين التغذية والصحة النفسية.
وفي ظل تزايد استهلاك المشروبات السكرية عالميًا، تكتسب هذه النتائج أهمية خاصة، إذ تشير إلى أن ما يشربه المراهقون يوميًا قد يكون له تأثير أعمق مما كان يُعتقد، ليس فقط على أجسادهم، بل على حالتهم النفسية أيضًا.
