موجات الحر أخطر من أي وقت مضى.. تطول بشكل أسرع مع كل درجة ارتفاع في حرارة الأرض
"ذاكرة الحرارة" تغيّر نماذج المناخ وتكشف تسارع موجات الحر عالميًا
لا تزداد موجات الحرّ تواترًا وحرارةً فحسب، بل تدوم أيضًا لفترة أطول. وكلما ارتفعت درجة حرارة الكوكب، ولو بنسب ضئيلة، زادت سرعة امتداد موجات الحرّ.
تُحاكي نماذج المناخ التقليدية الظروف المناخية المتوسطة على مدى أسابيع أو أشهر، وتُضيف دراسةٌ، أجرتها جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس وجامعة أدولفو إيبانيز في تشيلي، بُعدًا جديدًا.
ويقدم البحث مصطلحًا إحصائيًا يربط درجة حرارة يوم واحد باليوم التالي، وهو ما يشير إليه العلماء باسم “ذاكرة الحرارة”.
ذاكرة المناخ تعيد تشكيل التوقعات
عند إضافة هذه الملاحظات، أظهرت المحاكاة نمطًا عالميًا واضحًا: تزداد موجات الحرّ طولًا بمعدل أسرع مع كل ارتفاع طفيف في درجة حرارة المناخ الخلفية.
وأشار المؤلف الرئيسي للدراسة، ديفيد نيلين، أستاذ علوم الغلاف الجوي والمحيطات بجامعة كاليفورنيا، إلى أن كل جزء من الدرجة الواحدة من الانحباس الحراري سيكون له تأثير أكبر من الجزء الذي يسبقه.
نُشرت الدراسة في مجلة Nature Geoscience، وقال نيلين: “إن التسارع يعني أنه إذا ظل معدل الاحترار كما هو، فإن معدل تكيفنا يجب أن يحدث بشكل أسرع، خصوصًا تجاه موجات الحرّ الأكثر تطرفًا، والتي تتغير بشكل أسرع”.
وأضاف كريستيان مارتينيز فيلالوبوس، الباحث الرئيسي في جامعة أدولفو إيبانيز، “لقد وجدنا أن أطول موجات الحرّ وأندرها في كل منطقة، تلك التي تستمر لأسابيع، هي التي تُظهر أكبر الزيادات في التكرار”.
وبأخذ التحولات المحلية في الاعتبار، وجد الفريق أن مدة موجات الحرّ تتسارع بالفعل، كما تتنبأ النماذج المناخية.

ارتفاع حرارة المناخ يُسرّع موجات الحر
تؤكد عناوين الأخبار الأخيرة تحذيرات النموذج. ففي أواخر يونيو، استمرت موجة حرّ في معظم أنحاء الولايات المتحدة، مما أدى إلى إرهاق خدمات الطوارئ، بل وتشويه البنية التحتية، مثل جسر متحرك في ولاية فرجينيا.
كما شهدت أوروبا درجات حرارة قياسية خلال الأسبوع الأول من يوليو، ما أدى إلى إغلاق بعض المعالم السياحية مؤقتًا، وتسبب في “عملية منشفة الجليد” في بطولة ويمبلدون.
تُسلّط مثل هذه الأحداث الضوء على المخاطر الواقعية التي تبرزها الدراسة، إذ تُفاقم موجات الحرّ الطويلة المخاطر الصحية، وتُرهق أنظمة الطاقة والمياه، وتُقلّل من إنتاجية المحاصيل، وتُزيد من تهديدات حرائق الغابات.

موجات حرّ استوائية الأطول عالميًا
لن تتأثر جميع مناطق العالم بالتسارع بنفس الدرجة. ففي المناطق التي تشهد تقلبات حادة في درجات الحرارة اليومية، تؤدي درجة إضافية من الدفء إلى ضغط أقل نسبيًا مقارنة بالمناطق ذات المناخ المستقر.
ووفقًا لنيلين: “إذا كان لديك اختلافات كبيرة في المناخ الحالي، فإن التغير بدرجة بسيطة سيكون تأثيره أقل مما لو كان لديك مناخ أكثر استقرارًا”.
وبالتالي، من المتوقع أن تعاني المناطق الاستوائية، خاصة في أفريقيا وجنوب شرق آسيا وشمال أميركا الجنوبية، من أطول فترات ارتفاع درجات الحرارة.
وتشير التحليلات إلى أن موجات الحرّ التي تتجاوز 35 يومًا في أفريقيا الاستوائية قد تصبح أكثر شيوعًا بنحو 60 مرة في الفترة من 2020 إلى 2044 مقارنة بالفترة من 1990 إلى 2014.

نقص التمويل يهدد النماذج المناخية
إلى جانب تحديد المخاطر المستقبلية، تقدم الدراسة إطارًا رياضيًا مفيدًا للمهندسين ومسؤولي الصحة العامة ومديري حرائق الغابات في تقييم المخاطر الحالية.
فعلى سبيل المثال، تُستخدم توقعات استنزاف رطوبة التربة في تقدير إنتاج المحاصيل ومؤشرات الطقس المرتبطة بحرائق الغابات.
إلا أن المؤلفين يحذرون من أن تحويل هذه النتائج إلى خطوات عملية يتطلب استثمارًا مستدامًا في النمذجة المناخية.
وقال نيلين: “معالجة هذه المشكلات تتطلب نماذج مناخية وطقسية عالية الدقة، لكن الميزانية الفيدرالية الحالية تُقيد قدرات الولايات المتحدة وتدفع العلماء الشباب للخروج من المجال”.
وتؤدي تخفيضات التمويل والأولويات السياسية المتغيرة إلى إضعاف قدرة الدول على إنتاج توقعات دقيقة محليًا، ما يحد من استعداد المجتمعات للتكيف مع تغير المناخ.

التكيف المناخي يحتاج لوتيرة أسرع
تكشف الأبحاث عن حقيقة مقلقة: يجب أن تتسارع وتيرة التكيف مع ارتفاع حرارة الكوكب، لأن طول موجات الحرّ يزداد بوتيرة متسارعة.
فعلى مخططي المدن، الذين يضعون خططًا للتعامل مع الحرارة اليوم، أن يُعيدوا النظر في توقيتات التنفيذ بشكل أسرع. ولا يمكن لشركات الكهرباء افتراض نموّ خطّي في الطلب، كما ينبغي لمسؤولي الصحة العامة الاستعداد لحالات طوارئ أطول وأكثر تواترًا.
وتعتمد هذه الاستعدادات على نماذج مناخية دقيقة وموثوقة، وهي نفس المساعي العلمية التي تواجه تهديدًا بسبب تقليص التمويل.

في النهاية، قد تعتمد قدرة المجتمعات على مواكبة هذا الخطر المتسارع بقدر كبير على الإرادة السياسية لدعم العلم، بقدر اعتمادها على القوانين الفيزيائية التي تحكم مناخ الأرض.





