“من يصرخ أولًا؟” الوقت سلاح الطرفين.. لماذا تراهن واشنطن وطهران على “حرب الاستنزاف”؟
حرب بلا ساعة زمن: ترمب يراهن على الضغط الطويل وطهران على الصمود
كشف السفير الباكستاني السابق لدى واشنطن والأمم المتحدة، مسعود خان، عدم وجود أي اختراق أو تقدم حتى الآن في مسار الجهود الدبلوماسية الجارية، رغم اعتبار هذا الملف أولوية لباكستان واستمرار تحركاتها في هذا الاتجاه.
وفي اليوم السادس عشر للهدنة، تبذل باكستان جهودًا حثيثة لإقناع الجانب الإيراني بالعودة إلى طاولة المفاوضات، وسط تصريحات أمريكية وإيرانية متباينة تعكس اتساع الفجوة بين موقفي الطرفين.
ترمب: إيران تواجه وقتا عصيبا للغاية لتحديد من يقودها
وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب: إيران تواجه وقتا عصيبا للغاية لتحديد من يقودها، نسيطر بشكل كامل على مضيق هرمز،
لا يمكن أن تدخل أي سفينة أو تخرج دون موافقة البحرية الأمريكية، مضيق هرمز سيظل مغلقا بإحكام حتى تتمكن إيران من إبرام اتفاق، صراع داخلي في إيران بين متشددين يتكبدون خسائر فادحة في المعركة ومعتدلين لا علاقة لهم بالاعتدال في الواقع.
انقسام بين القوى المؤثرة داخل إيران
وشدد خان، على أن اتخاذ القرار في إيران يتطلب موقفًا موحدًا داخل القيادة، مشيرًا إلى ضرورة وجود تفويض واضح من مختلف مراكز القرار بما يضمن بلورة موقف جامع.
وتزعم الإدارة الأمريكية وجود انقسام بين القوى المؤثرة داخل إيران بشأن ملف المفاوضات والقضايا المطروحة، وتقول إن هذا الانقسام حال دون حضور الوفد الإيراني إلى جولة المفاوضات الثانية التي كانت مقررة الثلاثاء.
وأوضح أن تعدد المرجعيات داخل القيادة الإيرانية يفرض الحاجة إلى تنسيق داخلي وصوت جماعي، في ظل وجود خطوط حمراء لدى مختلف الأطراف، ما يجعل عملية التفاوض أكثر تعقيدًا.
ويقول مسؤولون أمريكيون إن الوفد الإيراني الذي حضر الجولة الأولى في إسلام آباد لم يكن يمتلك صلاحيات كافية تخوله اتخاذ قرارات حاسمة، وبالتالي تحقيق تقدم فعلي.
كما كشف الدبلوماسي السابق عن دور مباشر وغير مباشر تقوم به الصين كوسيط، في مسعى لإنهاء الأزمة والتوصل إلى وقف كامل للحرب بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب دعم من الاتحاد الأوروبي وعدد من الدول.
وأكد خان أن بناء الثقة بين الطرفين يمثل المدخل الأساسي لأي تقدم، مشددًا على أن إبداء مرونة متبادلة، خاصة في ملف مضيق هرمز، قد يفتح الطريق أمام استئناف المفاوضات المباشرة.
واعتبر أن غياب الإجماع الدولي بين القوى الكبرى، مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين والاتحاد الأوروبي، يزيد من تعقيد المشهد ويؤخر التوصل إلى حل سلمي.
وتأتي هذه التصريحات في ظل تضارب التقارير بشأن مدة الهدنة التي مددها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، لمنح المفاوضين الإيرانيين مزيدًا من الوقت، بناءً على طلب الوساطة الباكستانية.
وبحسب تقارير إعلامية أمريكية، فإن ترمب مستعد لتمديد وقف إطلاق النار لمدة تتراوح بين 3 و5 أيام إضافية.
وأشار خان إلى أن التفاوض المباشر قد يسهم في معالجة القضايا الشائكة، بما في ذلك الملف النووي، والإفراج عن الأصول، وتقديم ضمانات أمنية.
في المقابل، تتواصل التصعيدات الميدانية، بما في ذلك استهداف السفن وتوقيفها في محيط مضيق هرمز، وهو ما يعقّد فرص التهدئة.
وفي السياق ذاته، تؤكد واشنطن أن الحصار البحري يمثل أداة ضغط أكثر فاعلية من الضربات العسكرية، بينما ترى طهران أن رفع الحصار شرط أساسي للعودة إلى التفاوض.
وبينما تراهن الولايات المتحدة على عامل الزمن لإجبار إيران على تقديم تنازلات، تعتقد طهران أن قدرتها على الصمود والتكيف مع العقوبات تمنحها أفضلية في هذه المواجهة.
وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، يبدو أن “الوقت” تحول إلى سلاح استراتيجي يستخدمه الطرفان في صراع مفتوح، لم يحسم عسكريًا ولا دبلوماسيًا حتى الآن.
يقود رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف وفد طهران المفاوض في إسلام آباد، بغية وقف إطلاق النار والتوصل إلى اتفاق مع أميركا، لكنه يسعى كذلك لكسب أرض جديدة في توسيع نفوذه وسلطته بالداخل الإيراني، وفقا لمراقبين وخبراء.
وأثار صعود قاليباف إلى واجهة المشهد السياسي تساؤلات داخلية بشأن ما إذا كان يعكس تكليفا ظرفيا أم محاولة محسوبة من قاليباف على طريق الصعود إلى قمة السلطة، التي تشهد تنازعا وتوزيعا لافتين منذ بداية الصراع الحالي.
وفي ظل الضعف الشديد الذي تمر به القيادة الإيرانية في الوقت الراهن، بعد مقتل عدد من قيادات الصف الأول، على رأسهم المرشد السابق علي خامنئي، واحتجاب المرشد الحالي مجتبى خامنئي بشكل غامض، تحاول بعض الأطراف داخل إيران تقديم نفسها كحل وبديل لقيادة البلاد، لكن هذه الأطراف عليها أن تتفوق على منافسيها داخليا وتكسب ثقة الخارج.
وخلال التحضير للمفاوضات، قدم قاليباف خطابا مزدوجا؛ فمن جهة تبنى نبرة تصعيدية تتحدث عن القدرة على مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل والسيطرة على مضيق هرمز، ومن جهة أخرى شدد على أن التفاوض يظل خيارا لا بديل عنه، في محاولة واضحة لتحقيق توازن بين متطلبات الداخل وضغوط الخارج.
هجوم أصولي وتصعيد متدرج
وقوبل خطاب قاليباف بردود فعل حادة من التيار الأصولي، حيث شن أنصار أمين المجلس الأعلى للأمن القومي السابق في إيران، سعيد جليلي، الأكثر قربا من الحرس الثوري، إلى جانب شخصيات بارزة مثل النائب البرلماني أمير حسين ثابتي، حملة انتقادات واسعة، معتبرين أن الانخراط في مفاوضات مع واشنطن يمثل انحرافا عن ثوابت النظام.
وتجاوز التصعيد النقد السياسي وتحول إلى اتهامات بالخيانة، مع تلويح بعض الأصوات بسيناريوهات تصعيدية تصل إلى حد إحداث تغيير سياسي، مستندين إلى تعبئة إعلامية وتحركات على الأرض لرفض أي مرونة في الملفات الحساسة، خصوصا ما يتعلق بتخصيب اليورانيوم أو الترتيبات الإقليمية.
تراشق سياسي
وأكدت تقارير محلية أن قاليباف رد على منتقديه خلال اجتماع مع مستشاريه، واصفا بعضهم بتيارات متطرفة قد تقود البلاد إلى مسارات خطرة، ومتهما خصومه بتوظيف الإعلام لإفشال أي اتفاق محتمل.
ويعكس التنازع بين أجنحة السلطة الإيرانية، وفق تقديرات مراقبين، انتقال الخلاف من مستوى التباين في الرؤى إلى صراع مباشر على تمثيل النظام في لحظة تفاوضية مفصلية، حيث يسعى كل طرف إلى تثبيت موقعه داخل معادلة السلطة. وليس أدل على هذا الانقسام من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن السلطة في إيران تعاني انقساما واضحا.
وقال ترامب، في معرض إعلانه تمديد وقف إطلاق النار، إن قراره جاء بناء على طلب باكستان “حتى يتمكن القادة والممثلون الإيرانيون من التوصل إلى اقتراح موحد”، في إشارة إلى وجود صعوبة في الحصول على رأي وصوت إيراني واحد.

عقبة الحرس الثوري
ويعد أبرز ما يهدد أي ممثل لإيران في المفاوضات أو القرارات المعلنة هو ألا ينصاع الحرس الثوري للاتفاق أو القرار النهائي.
وبحسب مركز دراسات الحرب، فقد يكون قائد الحرس الثوري الجنرال أحمد وحيدي والمقربون منه قد فرضوا سيطرة فعلية على مسار المفاوضات طوال الحرب، وهو دور تقليدي من اختصاص القيادات السياسية.
وبحسب المركز، يُرجح أن وحيدي سعى لفرض رقابة الحرس الثوري على المحادثات الأخيرة بين واشنطن وطهران في إسلام آباد، حيث حاول إدخال أمين عام مجلس الأمن القومي الجديد محمد باقر ذو القدر ضمن الفريق التفاوضي، رغم اعتراض قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي بسبب افتقاره للخبرة الدبلوماسية.
ويبدو أن الهدف كان مراقبة سير المفاوضات وإبلاغ طهران بأي انحراف عن توجيهات وحيدي أو المرشد مجتبى خامنئي، بحسب المركز.

وقدم ذو القدر شكوى إلى قيادات الحرس، بينهم وحيدي، اتهم فيها عراقجي بتجاوز صلاحياته عبر إبداء مرونة تجاه دعم إيران لما يعرف بـ”محور المقاومة”، ما دفع شخصيات بارزة، بينها حسين طائب، إلى استدعاء الوفد التفاوضي إلى طهران.
كما استمر الدور المتضخم للحرس الثوري بعد محادثات إسلام آباد، إذ التقى قائد الجيش الباكستاني عاصم منير بقاليباف وقائد مقر خاتم الأنبياء في الحرس الثوري علي عبداللهي آبادي في طهران في 16 أبريل ضمن جهود الوساطة، وهو أمر غير معتاد نظرا لأن قائد “خاتم الأنبياء” ليس عضوا في الفريق التفاوضي، بينما يختص هذا المقر رسميا بإدارة العمليات المشتركة وعمليات زمن الحرب.
وتشير سيطرة الحرس الثوري على عملية اتخاذ القرار إلى أن المسؤولين السياسيين الإيرانيين المشاركين في التفاوض مع الولايات المتحدة لا يمتلكون صلاحية مستقلة لتحديد المواقف التفاوضية.
ووفق المركز “يعكس ذلك حالة انقسام داخل النظام بين تيار متشدد وآخر براغماتي يفتقر إلى موقف موحد، فيما يبدو أن الحرس الثوري همّش الشخصيات الأكثر اعتدالاً التي كانت واشنطن تتعامل معها”.
وتشير تقارير إلى خلافات بين وحيدي وقاليباف حول قضايا الأمن القومي والسياسة الخارجية، في حين يفتقر الأخير إلى النفوذ العسكري الذي يمتلكه وحيدي، وهو ما يجعل التمسك بالتفاوض فرصة وحيدة لقاليباف لجلب دعم دولي في مواجهة الحرس الثوري.





