أخبارابتكارات ومبادرات

من النفايات إلى الألماس.. الليزر يحوّل البلاستيك إلى كنز نانوي يفتح آفاقًا للطب والطاقة

بلاستيك يتحول إلى ألماس في ثوانٍ.. تقنية واعدة للطب والطاقة ومكافحة التلوث.. هل تبدأ ثورة جديدة؟

نجح باحثون ألمان في استعادة بلورات ألماس نانوية سليمة بعد إنتاجها من البلاستيك باستخدام الليزر فائق القوة، في خطوة علمية قد توسع استخدام هذه المواد في الطب والتصوير الطبي والطاقة والتفاعلات الكيميائية.

في تطور علمي يفتح آفاقًا جديدة أمام تصنيع المواد المتقدمة، نجح باحثون في تحويل البلاستيك إلى ألماسات نانوية باستخدام أشعة ليزر فائقة القوة، ثم استعادة البلورات الناتجة سليمة، رغم تعرضها لظروف قاسية من الضغط والحرارة وسرعات اندفاع هائلة.

وأجرى الدراسة باحثون من مركز هلمهولتز دريسدن روسندورف وجامعة روستوك في ألمانيا، وتمكنوا من إثبات أن الألماسات النانوية قادرة على تحمل الانتقال من بيئة شديدة الضغط والحرارة إلى الظروف العادية، دون أن تتحطم أثناء عملية جمعها.

وبلغ متوسط قطر الجسيمات المستعادة نحو 3 نانومترات، أي ثلاثة أجزاء من مليار من المتر، ويحتوي كل جسيم ألماس على نحو 3 آلاف ذرة كربون، وفقًا لتقرير نشره موقع «SciTechDaily» المتخصص في أخبار العلوم والتكنولوجيا.

وتتميز التقنية الجديدة بإنتاج ألماسات نانوية عالية النقاء، ومتقاربة في أحجامها، وهي خصائص يصعب تحقيقها باستخدام طرق الإنتاج التقليدية، بما فيها أساليب التفجير المستخدمة في تصنيع الألماس النانوي.

ولا تقتصر أهمية هذا التطور على إنتاج الألماس من مادة بلاستيكية، بل تمتد إلى إمكانية تصنيع جسيمات فائقة الدقة يمكن أن تدخل مستقبلًا في تطبيقات طبية وتقنيات الطاقة والمواد المتقدمة، وإن كان الوصول إلى الإنتاج الصناعي واسع النطاق لا يزال يتطلب مزيدًا من البحث والتطوير.

ألماس جديد أكثر كثافة وصلابة.. هل ينجح العلماء في إنتاجه؟
ألماس جديد أكثر كثافة وصلابة.. هل ينجح العلماء في إنتاجه؟

كيف يتحول البلاستيك إلى ألماس؟

بدأت التجارب العلمية بهدف محاكاة الظروف الفيزيائية الموجودة داخل كواكب مثل نبتون وأورانوس، حيث ترتفع درجات الحرارة إلى عدة آلاف من الدرجات المئوية، وتصل مستويات الضغط إلى ملايين المرات من الضغط الجوي على سطح الأرض.

ومن خلال تسليط أشعة ليزر عالية الطاقة على مواد بلاستيكية، تمكن الباحثون من توليد ظروف شديدة القسوة تؤدي إلى تحول الكربون الموجود في المادة إلى ألماس نانوي.

وفي البداية، لم يتمكن العلماء من رصد البلورات إلا لفترة وجيزة، طالما استمرت ظروف الضغط والحرارة الشديدة، وهو ما جعل استعادتها وفحصها خارج هذه البيئة يمثل تحديًا علميًا وتقنيًا.

وقال دومينيك كراوس، المدير المؤسس لمعهد هيدي الجديد لفيزياء كثافة الطاقة العالية في مركز هلمهولتز دريسدن روسندورف، والأستاذ بجامعة روستوك، إن الفريق كان يتوقع تشكل الألماسات النانوية في ظل هذه الظروف، لكن المفاجأة تمثلت في السرعة الكبيرة التي حدثت بها العملية، وهو ما دفع الباحثين إلى التفكير في إمكانية الاستفادة منها في تطبيقات تقنية.

وللتغلب على مشكلة استعادة البلورات، أجرى الفريق تجاربه في منشأة البنية التحتية للضوء الشديد، الواقعة جنوب العاصمة التشيكية براغ، وهي منشأة بحثية متخصصة في الليزر فائق القوة، وتجمع بين طاقات النبضات العالية للغاية ومعدلات تكرار إطلاقها المرتفعة.

واستخدم الباحثون منشأة L4n-P3، حيث سلطوا ثلاث نبضات ليزر عالية الطاقة في الدقيقة على غشاء بلاستيكي مصنوع من مادة البولي إيثيلين تيرفثالات، المعروفة اختصارًا باسم «PET»، لا يتجاوز سمكه 100 ميكرومتر، أي نحو 0.004 بوصة.

ومع تحرك شعاع الليزر عبر الغشاء البلاستيكي، أحدثت كل نبضة موجة صدمة أدت إلى ضغط المادة وتكوين ألماسات نانوية، ثم دفعت هذه الجسيمات بسرعة هائلة نحو أسطوانة مخصصة لجمعها.

وأوضح كراوس أن موجة الضغط، عندما تصل إلى نهاية العينة البلاستيكية، تنتقل فجأة إلى الفراغ، ما يؤدي إلى تسريع الألماسات النانوية إلى سرعات تتجاوز 10 كيلومترات في الثانية، وهي سرعة تقارب تلك الناتجة عن اصطدام النيازك.

وكان التحدي الأساسي يتمثل في منع تحطم البلورات فور اصطدامها بوسيط التجميع، ولذلك احتاج الفريق إلى مادة شديدة الليونة قادرة على امتصاص طاقة الاصطدام.

واختار الباحثون هلامًا أيونيًا قابلًا للذوبان في الماء ويمكن استخدامه في ظروف الفراغ، لامتصاص صدمة الجسيمات التي تصل سرعتها إلى أكثر من 22 ألف ميل في الساعة، قبل استخراج الألماسات من الهلام وتنقيتها تمهيدًا لفحصها.

وعلى الرغم من أن كل نبضة ليزر تنتج نحو 10 تريليونات ألماسة نانوية، احتاج الفريق إلى إطلاق نحو 100 نبضة لجمع بضع مئات من الميكروغرامات فقط من المادة، وهي كمية كافية لتحديد الجسيمات ودراسة خصائصها باستخدام المجهر الإلكتروني ELMI-MV في قسم الحياة والضوء والمادة بجامعة روستوك.

وقال بن هويسر، الباحث في مركز هلمهولتز دريسدن روسندورف والمؤلف الرئيسي للدراسة، إنه بعد استخراج الألماسات النانوية من مادة الالتقاط وتنقيتها، تمكن الفريق للمرة الأولى من رؤيتها مباشرة باستخدام المجهر الإلكتروني، مشيرًا إلى أن الجهاز يتيح للباحثين حتى تمييز الذرات المفردة.

استخدامات واعدة في الطب والطاقة والصناعة

تُستخدم الألماسات النانوية بالفعل في عمليات الطحن والتلميع، بفضل صلابتها واستقرارها ومقاومتها للحرارة، لكن إنتاج جسيمات أصغر وأكثر نقاءً وأكثر تقاربًا في أحجامها قد يوسع نطاق التطبيقات الممكنة لهذه المادة.

ومن بين الاستخدامات المحتملة تطوير أجهزة استشعار كمومية فائقة الحساسية، تعتمد على التأثيرات الكمومية لإجراء قياسات دقيقة للغاية، إلى جانب استخدامها في تصنيع مواد التباين الطبية التي تساعد على إظهار التفاصيل الداخلية للجسم بصورة أوضح أثناء عمليات التصوير الطبي.

وتكمن إحدى المزايا المهمة للجسيمات الأصغر في امتلاكها مساحة سطح إجمالية أكبر عند استخدام الكمية نفسها من المادة، وهو ما يوفر مواقع أكثر لحدوث التفاعلات الكيميائية.

وقد يساعد ذلك على تحسين كفاءة الألماسات النانوية بوصفها مواد حفازة، وهي مواد تسرّع التفاعلات الكيميائية دون أن تُستهلك خلالها، بما قد يدعم عمليات مثل تحويل ثاني أكسيد الكربون أو تفكيكه باستخدام ضوء الشمس.

كما تتيح التقنية إمكانية إدخال ذرات من عناصر أخرى إلى بنية الألماس، في عملية تُعرف باسم «التطعيم»، بهدف تغيير خصائص الجسيمات وتهيئتها لأداء وظائف محددة.

وقد تساهم هذه العملية في تطوير مواد متخصصة، بما في ذلك مواد التباين المستخدمة في فحوص التصوير بالرنين المغناطيسي، بما يعزز الإمكانات الطبية للألماسات النانوية.

هل يصبح إنتاج الألماس من البلاستيك قابلًا للتوسع؟

يرتبط أحد مسارات تطوير التقنية بالتقدم في أبحاث الاندماج النووي، التي تدفع إلى ابتكار أنواع من الليزر أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة، وقادرة على إطلاق نبضات قوية بمعدلات تكرار أعلى.

ومن شأن تطبيق هذه التطورات على إنتاج الألماسات النانوية أن يتيح زيادة عدد النبضات خلال فترة زمنية أقصر، بما قد يرفع حجم الإنتاج ويدعم إمكانية توسيع نطاق العملية مستقبلًا.

ويعمل الباحثون حاليًا على إجراء مزيد من التجارب في مختبراتهم بجامعة روستوك ومنشآت الأبحاث الكبرى، بهدف رفع كمية الإنتاج إلى نطاق المليغرامات، وهي كمية يمكن مقارنتها بمستويات الإنتاج في بعض الطرق التقليدية.

ويمثل الانتقال من إنتاج بضع مئات من الميكروغرامات إلى كميات أكبر خطوة مهمة لتقييم الجدوى التقنية والاقتصادية لهذه الطريقة، وتحديد مدى قدرتها على تلبية احتياجات التطبيقات الصناعية المختلفة.

ألماس جديد أكثر كثافة وصلابة.. هل ينجح العلماء في إنتاجه؟

لا تتوقف طموحات الفريق البحثي عند إنتاج الألماسات النانوية، إذ يسعى العلماء أيضًا إلى استخدام الضغط الناتج عن الليزر لإنتاج مادة تُعرف باسم «BC8»، وهي شكل من أشكال الكربون لم يُتوقع وجوده حتى الآن إلا من الناحية النظرية.

ومن المتوقع أن تكون هذه المادة أكثر كثافة من الألماس، وأن تتمتع بصلابة مماثلة له، مع قابلية أقل للتكسر والهشاشة.

ولا تتوافر بصورة طبيعية على سطح الأرض الظروف اللازمة لتشكل هذه المادة، ولذلك يخطط الباحثون لمحاولة إنتاجها مباشرة من البلاستيك، من خلال تعريضه لضغوط أعلى باستخدام أشعة ليزر فائقة القوة.

وأشار الفريق إلى أن هذه التجربة تمثل أحد المسارات البحثية المقبلة، مع التخطيط لإجرائها خلال نوفمبر 2026.

ورغم أن التقنية لا تزال في مراحل البحث والتطوير، فإن نجاح العلماء في إنتاج الألماسات النانوية واستعادتها سليمة يمثل تقدمًا مهمًا في مجال تصنيع المواد المتقدمة، وقد يفتح الباب أمام تطبيقات جديدة في الطب والطاقة والصناعة، إذا نجحت الأبحاث المستقبلية في رفع كفاءة الإنتاج وخفض تكلفته.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى