أخبارصحة الكوكب

من الإنفلونزا إلى الالتهاب الرئوي.. كيف تزيد السمنة خطر العدوى القاتلة

السمنة مرتبطة بنحو 600 ألف وفاة بالعدوى عالميًا في 2023

يرتبط مفهوم السمنة في أذهان كثيرين بأمراض القلب والسكري وارتفاع ضغط الدم، لكن أبحاثًا علمية حديثة تكشف أن تأثيرها يتجاوز هذه الأمراض المزمنة ليشمل قدرة الجسم على مواجهة العدوى الفيروسية والبكتيرية، بل وقد يحدد فرص النجاة منها.

دراسة دولية واسعة النطاق تشير إلى أن السمنة قد تكون عاملًا مساهمًا في واحدة من كل عشر وفيات مرتبطة بالأمراض المعدية على مستوى العالم، وهو ما يضعها في قلب النقاشات الصحية العالمية، خصوصًا مع استمرار ارتفاع معدلات السمنة في مختلف الدول.

دراسة دولية غير مسبوقة في الحجم والزمن

السمنة والدهون والنظام الغذائي

اعتمدت الدراسة على متابعة طويلة الأمد لأكثر من 540 ألف شخص بالغ، وهو ما يمنحها قوة إحصائية عالية وموثوقية كبيرة في النتائج.
وشملت البيانات:

– أكثر من 67 ألف مشارك في فنلندا
-أكثر من 470 ألف مشارك من قاعدة بيانات UK Biobank في المملكة المتحدة

تم قياس مؤشر كتلة الجسم (BMI) لكل المشاركين عند بداية الدراسة، وهو المقياس الأكثر استخدامًا عالميًا لتقدير السمنة اعتمادًا على الطول والوزن.

– متوسط عمر المشاركين في فنلندا: 42 عامًا
– متوسط عمر المشاركين في بريطانيا: 57 عامًا
– فترة المتابعة: 13 إلى 14 عامًا

وهدف الباحثون إلى الإجابة عن سؤال محوري:
-هل ترفع السمنة خطر الإصابة الشديدة بالأمراض المعدية، بعيدًا عن جائحة كوفيد-19؟
-نتائج حاسمة: السمنة تضاعف مخاطر العدوى الشديدة

أظهرت النتائج أن الأشخاص الذين يعانون من السمنة (BMI ≥ 30) كانوا أكثر عرضة بشكل واضح للإصابة بعدوى خطيرة تستدعي دخول المستشفى أو تؤدي إلى الوفاة.

مقارنة بالأشخاص ذوي الوزن الصحي (BMI بين 18.5 و24.9 :

– ارتفع خطر الإصابة الشديدة بالعدوى بنسبة 70%
– ازداد الخطر تدريجيًا مع زيادة الوزن
– الأشخاص المصابون بـالسمنة المفرطة جدًا (BMI ≥ 40) واجهوا خطرًا أعلى بثلاثة أضعاف

في بيانات UK Biobank تحديدًا:

– أصحاب الوزن الصحي: 1.1% خطر سنوي
– المصابون بالسمنة: 1.8% خطر سنوي

وهي فروق تبدو صغيرة ظاهريًا، لكنها على مستوى السكان تعني ملايين الحالات الإضافية.

أنواع العدوى الأكثر تأثرًا بالسمنة

السمنة

حلل الباحثون العلاقة بين السمنة وعشر فئات شائعة من الأمراض المعدية، وتبين أن السمنة تزيد من خطر الإصابة الشديدة أو الوفاة في معظمها، ومنها:

– الإنفلونزا
– كوفيد-19
– الالتهاب الرئوي
– التهابات الجهاز التنفسي السفلي
– التهابات الجهاز البولي
– النزلات المعوية والتهاب المعدة والأمعاء

في المقابل، لم يظهر ارتباط قوي بين السمنة وكل من:

– فيروس نقص المناعة البشرية (HIV)
– مرض السل

ما يشير إلى أن تأثير السمنة يختلف باختلاف طبيعة العدوى وآلياتها داخل الجسم.

كيف تُضعف السمنة جهاز المناعة؟

السمنة

يشير الباحثون إلى أن السمنة لا تقتصر على زيادة الدهون، بل تُحدث تغيرات عميقة في وظائف الجهاز المناعي.

ويقول البروفيسور ميكا كيفيماكي من كلية لندن الجامعية: “تشير نتائجنا إلى أن السمنة عامل خطر لمجموعة واسعة من الأمراض المعدية، ما يدل على وجود آليات بيولوجية عامة تؤثر على جهاز المناعة.”

وتشمل هذه الآليات المحتملة:

– الالتهاب المزمن منخفض الدرجة المرتبط بالسمنة
– ضعف استجابة الخلايا المناعية
– تغيرات في التوازن الهرموني
– انخفاض كفاءة استجابة الجسم للقاحات

كما أشار الباحثون إلى أن نتائج تجارب أدوية إنقاص الوزن من فئة GLP-1 توحي بأن خفض الوزن قد يقلل أيضًا من خطر الإصابة بالعدوى الشديدة.

السمنة والوفيات عالميًا.. أرقام مقلقة

لم يكتف الباحثون بالبيانات الفردية، بل انتقلوا إلى المستوى العالمي باستخدام بيانات دراسة عبء المرض العالمي (GBD)، وبالاعتماد على تقديرات المخاطر، توصلوا إلى أن:

السمنة قد تكون مرتبطة بنحو 600 ألف وفاة من أصل 5.4 مليون وفاة مرتبطة بالعدوى عالميًا في عام 2023، أي ما يعادل واحدة من كل عشر وفيات، مع تفاوت كبير بين الدول.

السمنة

أظهرت التقديرات اختلافًا حادًا بين الدول:

– الولايات المتحدة: السمنة مرتبطة بنحو 25% من وفيات العدوى
– المملكة المتحدة: نحو 16%
– فيتنام: نحو 1% فقط

ويعكس هذا التفاوت اختلاف معدلات السمنة، وأنماط الحياة، وجودة الرعاية الصحية، والتغطية الوقائية.

تحذيرات وحدود الدراسة

أكد الباحثون، أن الدراسة رصدية، ولا يمكنها إثبات علاقة سببية مباشرة، كما أن:

– بيانات فنلندا والمملكة المتحدة لا تمثل كل سكان العالم

– بيانات الوفيات والسمنة في بعض الدول منخفضة الدخل قد تكون غير دقيقة

وتقول الدكتورة سارة أحمدي عباسي من إمبريال كوليدج لندن: “التقديرات العالمية تعطي صورة عن حجم المشكلة، لكنها يجب أن تُفسر بحذر، خصوصًا في الدول ذات البيانات المحدودة.”

لماذا تمثل هذه الدراسة نقطة تحول؟

تكمن أهمية هذه النتائج في أنها:

– توسع فهمنا لتأثير السمنة خارج نطاق الأمراض المزمنة
– تضع السمنة كعامل خطر مباشر في الأمراض المعدية
– تدعم إدماج الوقاية من السمنة ضمن استراتيجيات الاستعداد للأوبئة

ومع توقع استمرار ارتفاع معدلات السمنة عالميًا، فإن العبء الصحي والاقتصادي للأمراض المعدية قد يزداد ما لم تُتخذ إجراءات وقائية شاملة.

خلاصة

السمنة ليست مجرد عامل خطر طويل الأمد، بل قد تحدد مصير المريض عند الإصابة بعدوى حادة، والتعامل معها أصبح ضرورة صحية عاجلة، ليس فقط للوقاية من الأمراض المزمنة، بل أيضًا لتعزيز قدرة المجتمعات على مواجهة التهديدات الوبائية المستقبلية.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading