ما دور الدين في معالجة تغير المناخ على مستوى العالم؟ الحالة المصرية نموذجا
الجهود المبذولة من أجل البحث عن التعاون بين العلماء والمجتمعات الدينية ليست كافية
بناء استجابة عالمية لأزمة المناخ يتطلب أن تعلم عن الطرق العديدة التي يمكن للناس من خلالها فهم تغير المناخ، وتعلم كيفية التعايش مع عواقبه، وبالنسبة لمعظم سكان العالم، فإن الإطار العلمي المحض غير مفيد.
وذكرت حنان بن عدى، وهي باحثة في الدين والمجتمع العالمي، بكلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، في عام 2024، قال لي عالم غاضب أثناء ورشة عمل حول تغير المناخ والدين: “لا وقت للخيال، سواء كان دينيًا أو غير ذلك، نحن بحاجة إلى التحرك الآن!”، وعلى عكس نبرة تعليقه، لم يكن هذا العالم يرفض الدين باعتباره هامشيًا في معالجة تغير المناخ، لكن افتراضه الأساسي كان واضحًا: الدين، في حين أنه بلا شك جزء ضروري من الحل، لا يكون مفيدًا إلا إذا عمل جنبًا إلى جنب مع العلم العقلاني.
تشير الأبحاث التي أجرتها حنان وزملائها إلى أن وضع الدين والعلم ككيانين منفصلين تمامًا أمر غير مفيد في تعزيز الاستجابة العالمية لتغير المناخ.
حنان بن عدىفي عامي 2022 و2023، أمضت الباحثة حنان بنادي، وهي عالمة أنثروبولوجيا تعمل على تقاطع الأخلاق والسياسة والدين وتغير المناخ في الشرق الأوسط، أربعة أشهر في إجراء العمل الميداني في مصر، حيث عاشت وتفاعلت مع المجتمعات المسلمة والمسيحية في القاهرة والإسكندرية، وكتذكير واضح بأزمة المناخ المستمرة، أجرت بحثها خلال الصيف، عندما وصلت درجات الحرارة إلى أكثر من 45 درجة مئوية .
وتقول عالمة أنثروبولوجيا تعمل على تقاطع الأخلاق والسياسة والدين وتغير المناخ: كانت موجات الحر هذه جزءًا من المناقشات اليومية، لكنني لم أسمع المصطلحات العلمية فقط المستخدمة للإشارة إلى هذه الظواهر، في كثير من الأحيان، كانت اللغة الدينية هي اللغة المستخدمة لتفسير الحرارة.
ونقلت الباحثة، أن أحد القساوسة الأنجليكانيين في الإسكندرية، أخبرها أن أعضاء جماعته فهموا موجات الحر هذه باعتبارها مظاهر لتغير المناخ، ولكنهم في الوقت نفسه سألوه: “ماذا يحاول الله أن يخبرنا؟ هل هذه علامة على غضبه؟ ماذا ينبغي لنا أن نفعل؟” بعبارة أخرى، في حين استُخدمت المعرفة العلمية لتفسير الحرارة الشديدة، فإن الدين أعطاها معنى.
معالجة تغير المناختعليم الناس كيفية التعايش مع عواقب المناخ
وأوضحت، أن بناء استجابة عالمية لأزمة المناخ يتطلب أن تعلم عن الطرق العديدة التي يمكن للناس من خلالها فهم تغير المناخ، وتعلم كيفية التعايش مع عواقبه، وبالنسبة لمعظم سكان العالم، فإن الإطار العلمي المحض غير مفيد.
العلم مقابل الدين؟
يبدو أن التوتر الذي طالما تصورناه بين الدين والعلم قد عاد إلى الظهور اليوم في مواجهة تغير المناخ كما تقول عالمة الدين والمناخ، وتشكل ردود أفعال العلماء تجاه عملي مثالاً على ذلك، الأمر الذي جعلها تتساءل: ما الدور الذي يلعبه الدين في معالجة تغير المناخ على مستوى العالم؟ وإلى أي مدى يتم تأطيره باعتباره مجالاً خارج نطاق العلم؟
ولكن من المؤسف كما تقول، إن النهج الذي تم تبنيه على مسرح المناخ العالمي يبدو وكأنه يعمل على إدامة التسلسل الهرمي للمعرفة الذي يفترض أن العلم يتفوق على التأثيرات الاجتماعية والثقافية مثل الدين والأخلاق.
ومن المثير للدهشة، أن اللجنة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ التابعة للأمم المتحدة، وهي الهيئة العالمية البارزة في مجال سياسة المناخ، لا تزال تعتمد بشكل كبير على العلوم الصارمة في تقديم نتائجها، على الرغم من الجهود التي بذلتها في أحدث تقاريرها لتسليط الضوء على الدور الذي يمكن أن تلعبه العلوم الاجتماعية والإنسانية، بما في ذلك الدين.
ورشة عمل حول تغير المناخ والدين في القاهرة
بالتعاون مع فريق من وحدة أبحاث الدين والمجتمع العالمي في كلية لندن للاقتصاد، قامت حنان، بإدارة ورشة عمل حول تغير المناخ والدين في القاهرة مع قادة دينيين مسلمين ومسيحيين، وقد أوضح العديد من المشاركين الثلاثين أنهم شعروا بالإحباط بسبب هيمنة عدسة علم المناخ.
وفي مقابلة أجرتها بعد الورشة، قالت إن أحد أعضاء إحدى المنظمات الدينية أخبرها: “غالبًا ما تتواصل معنا المنظمات والمؤسسات البحثية الغربية للتعاون، ولكن عندما يتم السؤال عن طبيعة هذه التعاونات، غالبًا ما يتم اختصارها في شعار وجملتين تخبران الناس بأنهم يجب أن يهتموا بتغير المناخ”.
وأكدت عالمة الأنثروبولوجي، أن علم المناخ لا يأخذ الدين على محمل الجد وفقاً لشروطه الخاصة، بل إنه غالباً ما يحدد الدور الذي ينبغي للدين أن يلعبه في توصيل رسالة تغير المناخ، وهذه مشكلة.
معالجة تغير المناخالعلم يلتقي بالدين
وتقول، إن عملنا الحالي مع العالمات في مصر يعلمنا أنه في العديد من البلدان غير الغربية، مثل مصر، لا يمكن الفصل بين الدين والعلم بسهولة كما قد يتصور البعض.
سألت عالمة مصرية تعمل في مجال إدارة المياه منذ ثلاثين عاماً كيف ترى مستقبل المياه في بلادها، فبدأت إجابتها بآية من القرآن الكريم قبل أن تتجه إلى شرح علمي لما يستتبعه ذلك.
ورغم أن الكثير من أعمالها مستمدة من النماذج العلمية للعقل التي تدعم مشاريع التنمية القومية التي تتبناها الدولة المصرية، فإنها قادرة على الجمع بين أساليب التفكير الأخلاقية العلمية والدينية، ويشكل فهم هذا التداخل بين السياسة المناخية الدولية أهمية بالغة لخلق التضامن العالمي حول هذه القضية.
معالجة تغير المناخولحسن الحظ، كما تقول حنان، بدأت الأمور تتغير، فمن خلال مبادرات مثل تحالف الإيمان من أجل الأرض التابع لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، وجناح الإيمان في قمم المناخ التي عقدتها الأمم المتحدة مؤخراً، أصبحت الجماعات الدينية أكثر انتشاراً ونشاطاً على الساحة العالمية في مجال المناخ.
ولكن الجهود المبذولة من أجل البحث عن التعاون بين العلماء والمجتمعات الدينية ليست كافية، ويتعين مقاومة الرغبة في النظر إلى الدين باعتباره مجرد أداة لإقناع أغلب سكان العالم بأن الدين يعطي معنى للحياة. والطريقة الوحيدة التي يمكننا بها تحقيق هذه الغاية هي أن يبدأ العلماء والزعماء الدينيون في وضع الأساس لطرق جديدة للتفكير معا.
كما كتب المؤلف الروسي ليو تولستوي ذات مرة ، “العلم لا معنى له لأنه لا يملك إجابة على الأسئلة الوحيدة التي تهمنا: ماذا يجب أن نفعل وكيف نعيش؟” تتطلب أزمة المناخ طرقًا جديدة للتفكير، وطرقًا جديدة لإدراك الواقع، والدين أساسي لتحقيق ذلك.





