هل يمكن تجاوز مضيق هرمز؟ شبكة الأنابيب الخليجية تكشف حدود البدائل
إغلاق هرمز يختبر بدائل الطاقة.. كم برميلًا تستطيع الأنابيب إنقاذه يوميًا؟
مع كل تصعيد في الخليج، يعود سؤال الطاقة الأكبر إلى الواجهة: هل تستطيع المنطقة تصدير النفط والغاز دون المرور عبر عنق الزجاجة العالمي، مضيق هرمز؟
المضيق الذي يمر عبره نحو 20 مليون برميل يوميًا، أي ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا، لا يمتلك بديلًا بحريًا فعليًا، ما يجعل أي تهديد بإغلاقه صدمة فورية للأسواق العالمية.
لكن خلف الصورة التقليدية، توجد شبكة من خطوط الأنابيب، بعضها عملاق وبعضها ناشئ ، تحاول دول الخليج من خلالها بناء “طرق التفافية” تحافظ على استمرار تدفق النفط والغاز إلى الأسواق العالمية، سواء كبدائل مباشرة للمضيق أو كمسارات تعويضية تقلل زمن وتعقيدات النقل.
يقدم هذا التقرير تحليلًا شاملًا لأبرز هذه الخطوط وقدراتها وحدودها.
أولًا: السعودية.. عملاق الربط بين الخليج والبحر الأحمر
خط شرق–غرب: شريان بطاقة 7 ملايين برميل يوميًا
يُعد خط “شرق–غرب” الذي يمر داخل الأراضي السعودية أقوى مسار بري بديل لتجاوز مضيق هرمز. وينقل الخط النفط من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بسعة تصل إلى 7 ملايين برميل يوميًا، وهي أعلى قدرة لنقل النفط دون المرور بالمضيق في المنطقة.
وأصبح الخط خلال السنوات الأخيرة عنصرًا محوريًا، خصوصًا بعدما اضطرت السعودية في عدة مناسبات إلى تحويل صادراتها من الخليج إلى البحر الأحمر بسبب التوترات في مضيق باب المندب أو في هرمز.
ومع اشتداد الصراع الإقليمي مؤخرًا، وصل الأمر إلى نقل شحنات لعملاء آسيويين عبر ينبع بدلًا من مرافئ الخليج، قبل أن يُستخدم خط سوميد المصري كامتداد للتصدير نحو أوروبا.

ثانيًا: الإمارات.. عندما يتحول الفجيرة إلى بوابة نفطية خارج هرمز
خط حبشان–الفجيرة: من 1.5 إلى 1.8 مليون برميل يوميًا خارج نطاق الخطر
يمتد خط “ADCOP” من حقول حبشان في أبوظبي إلى ميناء الفجيرة على بحر العرب، خارج المضيق تمامًا، بسعة تتراوح بين 1.5 و1.8 مليون برميل يوميًا.
تكمن أهمية هذا الخط في أنه يفصل الإمارات فعليًا عن المخاطر الجيوسياسية للمضيق، وقد لعب دور “ممتص الصدمات” خلال توترات عام 2025، وفق تقارير اقتصادية أشارت إلى أنه ساهم في استقرار الإمدادات الإماراتية حين تأثرت ممرات الخليج.
توسعة طريق الفجيرة: خط جبل الظنة – الفجيرة
تعمل شركة أدنوك على إنشاء خط جديد بسعة 1.5 مليون برميل يوميًا يربط جبل الظنة بالفجيرة، باستثمارات تبلغ 3 مليارات دولار وبطول 300 كيلومتر، على أن يبدأ تشغيله في عام 2027.
وسيجعل هذا المشروع الإمارات قادرة على تصدير أكثر من نصف إنتاجها النفطي دون المرور عبر مضيق هرمز، كما يمكنه جمع النفط المنتج من خارج الدولة وتوجيهه عبر الأنابيب إلى ميناء الفجيرة.
ثالثًا: مصر.. سوميد يتحول إلى محور عالمي في ظل الإغلاقات البحرية
خط سوميد: من 2.5 إلى 2.8 مليون برميل يوميًا
أكد وزير البترول المصري كريم بدوي قدرة بلاده على تسهيل نقل النفط الخام عبر خط أنابيب “سوميد” من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط.
ويمتد الخط من ميناء العين السخنة على البحر الأحمر إلى سيدي كرير على ساحل المتوسط، ليكون مسارًا بريًا يكمل عمليات نقل صادرات الخليج المتجهة إلى أوروبا.
وتبلغ السعة الحالية للخط ما بين 2.5 و2.8 مليون برميل يوميًا، وفق بيانات وزارة البترول المصرية وتقارير دولية.
ومع تصاعد التوترات في المنطقة وتهديد إيران بإغلاق مضيق هرمز، أعلنت مصر استعدادها لاستقبال النفط القادم من ميناء ينبع السعودي ونقله عبر سوميد إلى البحر المتوسط، في خطوة تعزز أمن الإمدادات الأوروبية.
وفي سيناريو الإغلاق الكامل للمضيق، يمكن للسعودية الاعتماد على الجمع بين خط شرق، غرب وخط سوميد لنقل نحو 6.8 مليون برميل يوميًا إلى أوروبا والأسواق المتوسطية.

رابعًا: إيران.. بديل محدود بمشكلات واقعية
خط غوره – جاسك: 300 ألف برميل يوميًا فقط
يتيح هذا الخط لإيران تصدير النفط إلى خليج عمان مباشرة بعيدًا عن مضيق هرمز، بطاقة تشغيلية تبلغ نحو 300 ألف برميل يوميًا فقط.
غير أن الخط تعرض لتعثرات تشغيلية وسياسية أدت إلى توقفه بعد سبتمبر 2024، ما قلل كثيرًا من تأثيره العملي.
ورغم أهميته الاستراتيجية نظريًا، فإنه لا يمثل ثقلاً فعليًا في أي سيناريو بديل عن المضيق.
خامسًا: خطوط الغاز.. الحلقة الأضعف في بدائل هرمز
حتى اليوم، لا توجد خطوط غاز إقليمية قادرة على نقل صادرات الغاز القطري أو الإماراتي بعيدًا عن المضيق.
فقطر وحدها تصدر نحو 93% من غازها الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز، ما يجعل الغاز الخليجي عمليًا رهينة لهذا الممر البحري.
إلى أي مدى تعوض الأنابيب إغلاق هرمز؟
القدرات الإجمالية لخطوط الأنابيب في الخليج ومصر والإمارات لا تتجاوز ما بين 3.5 و5.5 مليون برميل يوميًا في أفضل الظروف، مقارنة بنحو 20 مليون برميل يوميًا تمر عبر المضيق.
وهذا يعني أن:
– البدائل لن تغطي سوى ربع الإمدادات القصوى التي تمر عبر هرمز.
– السعودية والإمارات الأكثر قدرة على المناورة بفضل خطوط شرق–غرب والفجيرة وسوميد.
– لا توجد بدائل حقيقية للغاز القطري حتى الآن.
وبحسب خبراء الطاقة، قد تتجاوز أسعار النفط 100 دولار للبرميل إذا استمرت اضطرابات الإمدادات، وقد تتضاعف الأسعار وفق مدة الصراع.
ورغم توسع شبكة الأنابيب الإقليمية خلال العقد الماضي، تبقى المنطقة بعيدة عن امتلاك قدرة حقيقية على تجاوز مضيق هرمز بالكامل.
لكن التطور اللافت أن الخليج، خصوصًا السعودية والإمارات، بات يمتلك “خط دفاع أول” يقلل من شدة الصدمة في حال تعطلت الملاحة.
ومع استمرار مشاريع جديدة مثل توسعة خطوط الإمارات وتحديث مسار سوميد، قد نشهد خلال السنوات المقبلة بنية تحتية أكثر قدرة على امتصاص الأزمات، لكنها ستظل مكملة لا بديلة عن واحد من أهم شرايين الطاقة في العالم.





