مراقبة الميثان من الفضاء.. الأقمار الصناعية ترصد انبعاثات مدافن القمامة بدقة غير مسبوقة
من الأرض إلى الفضاء.. تقنية جديدة تكشف تسربات الميثان من مدافن النفايات
تُثبت الأقمار الصناعية يومًا بعد يوم أنها أداة فعالة في مراقبة انبعاثات غاز الميثان، خاصة من مدافن النفايات التي تُعد أحد المصادر الكبرى غير المرئية لهذا الغاز شديد التأثير على المناخ.
ورغم أن الميثان لا يبقى في الغلاف الجوي لقرون مثل ثاني أكسيد الكربون، فإنه خلال فترة بقائه القصيرة يحتجز الحرارة بسرعة وبقوة كبيرة، ما يجعله من أخطر الغازات المسببة للاحترار العالمي على المدى القريب.
ولهذا السبب، يمثل خفض انبعاثات الميثان أولوية عالمية. إذ يدعو «تعهد الميثان العالمي» إلى تقليل الانبعاثات بنسبة 30% بحلول عام 2030، وهو هدف تبنته بالفعل العديد من الدول.

أهمية مدافن النفايات
تلعب مدافن النفايات دورًا أكبر مما يعتقده كثيرون، إذ تسهم بأكثر من 10% من الانبعاثات البشرية للميثان.
ومع تحلل النفايات العضوية تحت الأرض، يتسرب الغاز عبر التربة والأنابيب والآبار، بعضها يكون واضحًا، بينما يظل الكثير منه متناثرًا وصعب الاكتشاف.
مدافن النفايات تحت المراقبة الفضائية
على بعد نحو 18 كيلومترًا جنوب شرق مدريد، تحولت مدافن «لاس ديهيساس» ضمن مجمع فالديمنجوميز التكنولوجي إلى ساحة اختبار ميدانية لطريقة جديدة لرصد الميثان من الفضاء، بدءًا من ربيع 2025.
وجمع العلماء بيانات متزامنة باستخدام المسوحات الأرضية والطائرات المجهزة بأجهزة استشعار، إلى جانب الأقمار الصناعية، بهدف تحديد مواقع التسربات وإصلاحها ثم تقييم فاعلية تلك الإصلاحات.
وقاد الدراسة الباحث هارجيندر سيمبهي من جامعة ليستر، بالتعاون مع وكالة الفضاء الأوروبية ضمن مشروع MEDUSA التابع لمبادرة تغير المناخ.

رؤية تسربات الميثان من الفضاء
أتاحت بيانات قمر «سنتينل-5P» التابع لوكالة الفضاء الأوروبية نظرة شاملة على أنماط الميثان على مستوى إقليمي، ما ساعد في توجيه عمليات الرصد عالية الدقة.
وفي مايو 2025، استخدمت شركة GHGSat الكندية مستشعرًا فضائيًا بدقة 25 × 25 مترًا، قادرًا على رصد تسربات تصل إلى نحو 100 كيلوجرام في الساعة، لتكشف صور الأقمار الصناعية أعمدة ميثان واضحة فوق موقع المدفن.
دور المسوحات الجوية
بالتوازي، نفذت طائرات أبحاث مسوحات منخفضة الارتفاع، أنتجت خرائط فائقة الدقة تصل إلى متر واحد تقريبًا، واستطاعت رصد تسربات صغيرة تصل إلى 5 كيلوجرامات في الساعة.
وأُعيدت هذه المسوحات في سبتمبر وأكتوبر بعد تنفيذ أعمال صيانة شملت آبار تجميع الغاز وخطوط الأنابيب، إلى جانب تحسين إدارة سطح المدفن.
وقال دان ويكس، المدير التنفيذي لشركة GHGSat في المملكة المتحدة، إن الجمع بين الرصد الفضائي المتكرر والمسح الجوي الدقيق يوفّر فهمًا غير مسبوق لسلوك انبعاثات الميثان في مدافن النفايات، ويساعد المشغلين على استهداف الحلول بفاعلية أكبر.

تحويل البيانات إلى إجراءات
وأوضحت الدكتورة إيلسه آبين، العالمة البارزة في برنامج الأرض لدى منظمة أبحاث الفضاء الهولندية، أن الهدف كان واضحًا منذ البداية، وهو استخدام بيانات الأقمار الصناعية والطائرات لتوجيه أعمال المعالجة الميدانية وتحويل الرصد العلمي إلى إجراءات عملية.
تحديات واقع مدافن النفايات
تختلف مدافن النفايات عن المصانع التقليدية، إذ تتغير انبعاثاتها تبعًا للطقس وحالة التربة والأنشطة اليومية، ما يجعل مراقبتها تحديًا معقدًا.
وأشار الدكتور سيمبهي إلى أن التعاون المباشر مع مشغلي المدافن سمح بفحص مواقع التسرب فور الإبلاغ عنها، ما ساعد على تسريع إجراءات الإصلاح.
الخطوات المقبلة
ومن المنتظر صدور النتائج النهائية للدراسة في مطلع عام 2026، مع تقييم مدى استدامة الإصلاحات وفاعليتها على المدى الطويل.
ويؤكد الباحثون أن هذه التجربة تمهّد الطريق لاعتماد مراقبة مدافن النفايات بالأقمار الصناعية كأداة أساسية لدعم المدن وشركات إدارة النفايات في خفض انبعاثات الميثان، تسربًا بعد آخر.





