كشفت دراسة حديثة أن أجزاءً من مدينة تشيناي الهندية، إحدى أكبر المدن الساحلية في جنوب الهند، تتعرض لهبوط أرضي يصل إلى 1.5 سنتيمتر سنويًا، بالتزامن مع ارتفاع مستوى سطح البحر.
ويؤدي هذا التغير المزدوج إلى اقتراب مياه الفيضانات من المنازل والطرق والبنية التحتية بشكل أسرع مما تشير إليه تقديرات ارتفاع البحر وحدها.
أدلة علمية من الفضاء
أظهرت بيانات أقمار صناعية، جُمعت على مدار ثماني سنوات، أن بعض المناطق الساحلية في تشيناي تشهد انخفاضًا تدريجيًا في مستوى الأرض، خاصة في المناطق القريبة من الساحل.
وقاد الدراسة الباحث أربان شاستري من المعهد الهندي للتعليم والبحث العلمي، حيث أظهرت النتائج أن أسرع معدلات الهبوط سُجلت ضمن نطاق 30 كيلومترًا من الساحل.
لماذا يُعد الهبوط خطيرًا؟
يسهم هبوط الأرض، المعروف بالهبوط الساحلي، في رفع مستوى المياه النسبي، حيث تصبح المناطق الساحلية أقل ارتفاعًا، ما يسمح لمياه البحر بالوصول إلى مناطق أوسع.
وسُجل ارتفاع مستوى البحر في تشيناي بنحو 0.28 سنتيمتر سنويًا، بينما بلغ معدل هبوط الأرض في بعض المناطق نحو خمسة أضعاف هذا الرقم، ما يزيد من خطورة الفيضانات.
تقنيات متقدمة للرصد
استخدم الباحثون بيانات أقمار “سينتينل-1” التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، وتقنية الرادار التداخلي (InSAR) لرصد التغيرات الدقيقة في مستوى الأرض.
وتتميز هذه التقنية بقدرتها على العمل في مختلف الظروف الجوية، ما يجعلها مثالية لمراقبة المدن الساحلية المعرضة للعواصف والرطوبة العالية.
تاريخ من الكوارث
شهدت تشيناي كوارث مائية كبيرة، أبرزها تسونامي المحيط الهندي عام 2004، والفيضانات العنيفة في 2015، ما يزيد من حساسية المدينة لأي تغيرات جديدة.
وفي ظل العواصف الشديدة، يمكن أن تضيف موجات العواصف ما يصل إلى 6 أمتار من المياه إلى المناطق الساحلية، ما يفاقم الأضرار.
سيناريوهات مستقبلية مقلقة
باستخدام أدوات توقعات مستوى البحر التابعة لوكالة ناسا، حلل الباحثون سيناريوهات حتى أعوام 2030 و2050 و2100.
وتشير التوقعات إلى أن المساحات المعرضة للغمر قد تصل إلى نحو 142 كيلومترًا مربعًا بحلول عام 2100، أي أكثر من ثلاثة أضعاف الوضع المتوقع في 2030.
ملايين السكان في خطر
قد يرتفع عدد السكان المعرضين للخطر من 2.45 مليون نسمة إلى نحو 9.85 مليون بحلول نهاية القرن، مع تعرض المنازل والبنية التحتية وشبكات النقل لمخاطر متزايدة.
خسائر اقتصادية متوقعة
قد تتجاوز قيمة الأصول المعرضة للخطر 100 مليون دولار، مع تزايد الأضرار نتيجة تآكل المواد بسبب المياه المالحة وتكرار الفيضانات.
كما تؤدي هذه الظواهر إلى زيادة الأعباء على السكان، خاصة في المناطق منخفضة الدخل.
ظاهرة عالمية
لا تقتصر هذه الظاهرة على تشيناي، إذ تشير دراسات عالمية إلى أن المدن الساحلية التي تعاني من هبوط الأرض قد تشهد ارتفاعًا في مستوى البحر بمعدل يصل إلى أربعة أضعاف المتوسط العالمي.
ويرجع ذلك إلى عوامل مثل استخراج المياه الجوفية والضغط العمراني على التربة.
ضرورة تغيير التخطيط
تحذر الدراسة من أن خرائط الفيضانات التقليدية لا تأخذ في الحسبان هبوط الأرض، ما يقلل من دقة التقديرات.
وأكدت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) أن الارتفاع النسبي لمستوى البحر يزيد من مخاطر الفيضانات والتآكل الساحلي.
وتشير النتائج إلى ضرورة تحديث خطط المدن لتشمل شبكات تصريف المياه، ومناطق الإخلاء، وقيود البناء، بما يتناسب مع الواقع الجديد.
خطر محلي متزايد
لم يعد خطر الفيضانات في تشيناي مرتبطًا فقط بارتفاع مستوى البحر عالميًا، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بالتغيرات المحلية في مستوى الأرض.
وتؤكد الدراسة أن تحسين أنظمة الرصد والتخطيط يمكن أن يساعد في تقليل المخاطر، رغم استمرار التحديات المرتبطة بالتغير المناخي والتوسع العمراني.
وقد نُشرت الدراسة في دورية “ساينتيفيك ريبورتس”.
