مخاطر خفية تهدد أكبر احتياطي لليثيوم في العالم

الليثيوم والطاقة النظيفة.. سمٌّ بطيء في أكبر مسطح ملحي على كوكب الأرض

تدفع الطفرة العالمية في الطلب على الليثيوم الأنشطة الصناعية نحو واحد من أكثر المواقع الطبيعية شهرةً على كوكب الأرض، وهو مسطح «سالار دي أويوني» الملحي في بوليفيا، الذي طالما ارتبط بالجمال والعزلة، غير أن أدلة علمية جديدة تشير إلى أن استخراج هذا المعدن الحيوي قد يضاعف مخاطر سامة خفية، تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من حدود مواقع التعدين.

ضغوط متزايدة على سالار دي أويوني

يقع أكبر احتياطي معروف لليثيوم في العالم تحت سطح سالار دي أويوني، حيث يتم ضخ المياه الجوفية عالية الملوحة وتركيزها لاستخدامها في صناعة بطاريات السيارات الكهربائية.
ويتشارك النشاط السياحي وعمليات التعدين الأولية هذا المسطح الملحي الواقع على الهضبة المرتفعة في بوليفيا، والذي تتحول أملاحه إلى مرايا طبيعية خلال موسم الأمطار.

يقود البحث الدكتور أفنر فينجوش، أستاذ العلوم البيئية بجامعة ديوك، والمتخصص في دراسة حركة المعادن في المياه داخل مناطق التعدين والطاقة. ويعمل فريقه على تقييم المخاطر الكيميائية قبل التوسع في مشروعات كبرى، من بينها مشروعات الليثيوم الجديدة.

وقال فينجوش: «سالار دي أويوني مكان ساحر يأتي إليه الزوار من مختلف أنحاء العالم لرؤية الألوان والانعكاسات في هذا الامتداد الأبيض الذي لا نهاية له».

قام أفنير فينغوش وغوردون ويليامز بجمع عينات من محلول الليثيوم الملحي

برك التبخير وآلية الاستخراج

تقوم الشركات بضخ المحاليل الملحية، وهي مياه جوفية شديدة الملوحة محمّلة بالمعادن، من أعماق تصل إلى نحو 50 مترًا، ثم تمريرها عبر سلسلة من برك التبخير.
ومع تبخر المياه بفعل الشمس والرياح، تتبلور الأملاح غير المرغوب فيها، بينما يزداد تركيز الليثيوم تدريجيًا.

وفي المرحلة النهائية، يُنقل المحلول المركز إلى مصنع يحوله إلى كربونات الليثيوم، وهي مادة مسحوقية تُستخدم في تصنيع البطاريات، فيما تبقى المحاليل المتبقية داخل الموقع.

وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يرتفع الطلب العالمي على الليثيوم بأكثر من 40 ضعفًا بحلول عام 2040.

تركيز البحث العلمي

تتبع فريق جامعة ديوك حركة المياه والنفايات في أحد المشروعات التجريبية، بدءًا من المحلول الخام وصولًا إلى المصنع.
واستخدمت اختبارات معملية دقيقة لقياس درجة الحموضة وتتبع المعادن والأملاح لمعرفة كيفية تغير التركيب الكيميائي عبر مراحل الإنتاج المختلفة.

وشملت العينات المحاليل الطبيعية المضخوخة من باطن الأرض، ومياه ثماني برك تبخير، إضافة إلى مياه الصرف الناتجة عن منشأة المعالجة.

وأظهرت النتائج أن المحلول الطبيعي شبه متعادل، لكنه يحتوي على عنصر الزرنيخ السام بتركيز يتراوح بين 1 و9 أجزاء في المليون، وهو عنصر يؤثر سلبًا على الجهاز العصبي والأعضاء الحيوية.

ارتفاع الحموضة مع زيادة التركيز

مع تقدم عملية التركيز، ينخفض حجم المياه وتزداد كمية المواد الذائبة، ما يؤدي إلى ارتفاع قسوة المياه، وسجّلت القياسات انخفاض درجة الحموضة إلى نحو 3.2 في أكثر المحاليل تركيزًا، مع وصول نسبة الأملاح الذائبة إلى نحو 36% من وزن الماء.

ويؤثر هذا الارتفاع في الحموضة على طبيعة المعادن المتشكلة، كما يقيّد خيارات تخزين أو تصريف السوائل الناتجة عن التعدين.

قفزات خطيرة في مستويات الزرنيخ

يمثل الزرنيخ مصدر القلق الأكبر، إذ يظل ذائبًا خلال جميع مراحل التبخير، وفي البركة الأخيرة، وصلت مستوياته إلى ما يقرب من 50 جزءًا في المليون، وهو تركيز مرتفع بشكل لافت في عمليات التعدين بالمسطحات الملحية.

وقال فينجوش: «هذا المستوى من الزرنيخ مرتفع للغاية»، محذرًا من أن أي تسرب أو تصريف متعمد قد ينشر هذه المادة السامة عبر القشرة الملحية، حيث تتغذى الطيور والحشرات.

السلسلة الغذائية تحت التهديد

تعتمد الحياة البرية في هذه البيئات على كائنات صغيرة مثل القشريات والطحالب، ما يسمح للملوثات بالدخول إلى السلسلة الغذائية، ويمكن لظاهرة التراكم الحيوي أن ترفع تركيز المواد السامة داخل الكائنات الحية مع مرور الوقت.

وأظهرت الاختبارات أن نوعًا من روبيان المياه المالحة (Artemia franciscana) يتحمل تركيزات زرنيخ تصل إلى 8 أجزاء في المليون، بينما تنخفض معدلات البقاء عند مستويات أعلى.
وبما أن طيور الفلامنجو تعتمد على هذه الكائنات في غذائها، فإن أي خلل في قاعدة السلسلة الغذائية قد يهدد أعدادها.

تحديات تصريف مياه الصرف

ينتج مصنع المعالجة تيارات مختلفة من مياه الصرف، تختلف في تركيبها الكيميائي عن مياه برك التبخير، وتتميز بعض هذه التيارات بدرجة قلوية مرتفعة تصل إلى pH 10، ما يؤثر على ذوبان المعادن أو ترسيبها.

وعلى الرغم من أن مستويات الزرنيخ والبورون في مياه الصرف أقل مقارنة بمحاليل البرك، فإن إعادة حقن هذه السوائل في باطن الأرض قد تؤدي إلى انسداد الطبقات الجوفية أو تخفيف تركيز الليثيوم المتبقي.

استقرار النظام البيئي في الميزان

يسحب التعدين كميات ضخمة من المحاليل الملحية، ما قد يؤدي إلى هبوط تدريجي في سطح الأرض داخل أحواض المسطحات الملحية.
وتُظهر نماذج ثلاثية الأبعاد لمسـطح سالار دي أتاكاما أن ضخ المحاليل يؤثر على منسوب المياه الجوفية خارج نطاق التعدين.

وقد تتسبب هذه التغيرات في جفاف الأراضي الرطبة والآبار الضحلة المجاورة، خاصة في المناطق التي تتقارب فيها المياه العذبة مع الخزانات المالحة.

ويقترح الباحثون خلط المحاليل المستهلكة بمياه الصرف لتحقيق توازن أقرب للتركيب الطبيعي، مع التأكيد على ضرورة إجراء اختبارات إضافية قبل تطبيق هذه الحلول.

أمن الطاقة ومستقبل المجتمعات المحلية

تعيش مجتمعات أصلية حول سالار دي أويوني، وتعتمد في مياه الشرب والرعي على موارد مائية نادرة في مناخ شديد الجفاف.
وإذا تسربت مياه التعدين الملوثة، فقد تنتقل المعادن السامة إلى مصادر الشرب والحياة البرية، ثم إلى البشر عبر الغذاء والغبار.

ويعمل فريق موازٍ من جامعة ديوك على تقييم الآثار الصحية والاجتماعية، بالتوازي مع مراقبة التركيب الكيميائي للمياه القريبة من التجمعات السكانية.

وقال فينجوش: «ننظر إلى الليثيوم باعتباره مستقبل أمن الطاقة، ولذلك نحلله من زوايا متعددة لضمان تنمية وإمدادات مستدامة».

وتخلص الدراسة إلى أن تركيز الليثيوم يصاحبه تركيز للحموضة والمعادن السامة، ما يجعل إدارة النفايات عنصرًا أساسيًا في تصميم المشروعات، وليس تفصيلًا ثانويًا.

Exit mobile version