كيف يمكن إيقاف صناعة الثروة الحيوانية مع الاستمرار في أكل اللحم؟

بدائل اللحوم بين الذوق والسعر والأمن القومي.. رؤية جديدة لإنهاء الزراعة الصناعية

«طعام البشرية المفضل» بين الشهية والكارثة

هل يمكن للبشرية أن تحتفظ بولعها التاريخي باللحم، دون أن تواصل تدمير المناخ والموارد الطبيعية؟ هذا هو السؤال الجوهري الذي يطرحه بروس فريدريش، أحد أبرز دعاة إنهاء الزراعة الصناعية للماشية، في كتابه الجديد Meat، حيث يقدم أطروحة صادمة في بساطتها: الحل لا يكمن في إقناع البشر بتغيير أطباقهم، بل في تغيير طريقة إنتاج اللحم نفسه.

فريدريش، النباتي منذ ما يقرب من أربعة عقود، لا يبدأ كتابه بدعوة أخلاقية أو وعظ غذائي، بل باعتراف صريح بأن اللحم هو «طعام البشرية المفضل». وهو يرى أن هذا التفضيل ليس مجرد عادة ثقافية، بل نزعة بيولوجية متجذرة؛ فاللحم غني بالسعرات الحرارية، وممتلئ بالدهون، ويحمل نكهة «الأومامي» التي تطورت أذواق البشر لتنجذب إليها. إلى جانب ذلك، يحتل اللحم مركز الصدارة في ثقافات كثيرة، ويمثل عنصرًا أساسيًا في الولائم والمناسبات الاجتماعية حول العالم.

صناعة تدمّر الكوكب

ورغم هذا الارتباط العميق باللحم، فإن الأضرار البيئية الناجمة عن صناعة الثروة الحيوانية الصناعية باتت موثقة جيدًا. من انبعاثات الميثان الشديدة التأثير في تسخين الكوكب، إلى تلوث المياه، وتدهور التربة، وتدمير الغابات لإفساح المجال أمام المراعي وزراعة الأعلاف، تشكل هذه الصناعة أحد أكبر مصادر الضغط على النظم البيئية.

وعلى مدار أكثر من خمسين عامًا، حاول نشطاء البيئة وخبراء الصحة العامة والمدافعون عن حقوق الحيوان إقناع البشر بتقليل استهلاك اللحوم. ورغم أن بعض الفئات استجابت، فإن الاتجاه العام ظل صاعدًا بلا توقف. فمنذ بدء تسجيل البيانات الدقيقة عام 1961، ارتفع استهلاك اللحوم عالميًا كل عام دون استثناء. ويشير فريدريش إلى حقيقة تاريخية لافتة: البشر يأكلون اللحم منذ نحو 2.6 مليون سنة، ويربون الحيوانات منذ أكثر من 12 ألف عام، ولم يشهد التاريخ البشري تراجعًا عالميًا حقيقيًا في استهلاك اللحوم.

ويضيف: «في كل مكان يرتفع فيه الدخل، يرتفع استهلاك اللحم. من الصعب تخيل أن يتغير هذا النمط فجأة في القرن الحادي والعشرين».

علماء ينتجون لحومًا مستنبتة من الخلايا في المختبر

الحل: استبدال لا يشبه التضحية

من هنا، يطرح فريدريش فكرته المحورية: إذا كان من المستحيل تقريبًا إقناع البشر بالتخلي عن اللحم، فإن السبيل الوحيد هو تقديم بديل مطابق له في الطعم والسعر والتجربة. وهذا ما يعنيه بـ«الاستبدال المماثل»؛ أي إنتاج لحم مزروع من الخلايا في مصانع تشبه مصانع الجعة، أو تطوير لحوم نباتية تحاكي اللحم التقليدي إلى حد يصعب تمييزه.

ويرى فريدريش أن هذه البدائل تمثل النسخة الغذائية من السيارات الكهربائية. فكما لم يعد الهاتف بحاجة إلى سلك، ولا السيارة بحاجة إلى محرك احتراق داخلي، يمكن إنتاج اللحم دون الحاجة إلى تربية حيوانات حية. التجربة نفسها، لكن بتكلفة بيئية وصحية أقل بكثير.

سباق مع الزمن: السعر والطعم

لكن نجاح هذه الثورة الغذائية مشروط بعاملين حاسمين: السعر والطعم. فلكي يقبل المستهلكون على اللحوم البديلة، يجب أن تكون بنفس جودة اللحم التقليدي، وألا تكون أغلى منه. ويؤكد فريدريش أن الفشل في تحقيق ذلك لن يكون بسبب قصور علمي، بل بسبب غياب الإرادة السياسية والاستثمارية.

تقديرات مؤسسات كبرى مثل «ماكينزي» و«باركليز» و«كريدي سويس» تشير إلى أن اللحوم المزروعة والنباتية قد تستحوذ على 50% من سوق اللحوم العالمي بحلول منتصف القرن. ويرى فريدريش أن الوصول إلى هذه النقطة قد يحدث خلال عقد واحد فقط إذا تحقق التكافؤ في السعر والطعم.

وحتى في حال كان التقدم أبطأ، فإن المكاسب المناخية ضخمة؛ فاستبدال كل 10% من استهلاك اللحوم التقليدية ببدائل بروتينية يعادل، من حيث التأثير المناخي، استبدال جميع السيارات العاملة بالوقود الأحفوري في العالم بسيارات كهربائية.

برجر مصنوع من فول الصويا مطعم برجر كينج في نيويورك

كفاءة صادمة ومفارقة غذائية

أحد أقوى حجج فريدريش ضد الزراعة الصناعية هو ما يصفه بـ«اللا كفاءة الصادمة». إذ يتطلب إنتاج سعر حراري واحد من لحم الدجاج نحو 9 سعرات حرارية من المحاصيل، بينما يحتاج لحم الخنزير أو الأسماك المستزرعة إلى 10 أو 11 سعرًا، ويقفز الرقم إلى ما بين 40 و100 سعر حراري لإنتاج سعر واحد من لحم البقر.

هذه المعادلة تطرح سؤالًا أخلاقيًا واقتصاديًا في عالم يعاني فيه 673 مليون إنسان من الجوع: هل من المنطقي إهدار هذا الكم من الموارد لإنتاج الغذاء، بينما يمكن لطرق أكثر كفاءة أن تطعم عددًا أكبر من البشر؟

الصحة العامة و«عامل الاشمئزاز»

غالبًا ما تُقابل اللحوم المزروعة بما يُعرف بـ«عامل الاشمئزاز»، لكن فريدريش يرى أن هذا الاعتراض مبالغ فيه. فالناس لا يأكلون اللحم بسبب طريقة إنتاجه، بل لأنه لذيذ ورخيص. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن ما بين 25% و30% من المستهلكين متحمسون للحوم المزروعة، وهي نسبة تفوق بكثير نسبة من يتناولون اللحوم النباتية حاليًا.

ويضيف أن اللحوم المزروعة أنظف صحيًا، مقارنة باللحوم التقليدية المليئة بالبكتيريا، والتي تتطلب طهيًا صارمًا وتعاملًا حذرًا في المطابخ لتجنب التلوث.

أما الانتقادات الموجهة للحوم النباتية باعتبارها «أطعمة فائقة المعالجة»، فيرد عليها فريدريش بالقول إن المشكلة في هذه الأطعمة تكمن عادة في ارتفاع الدهون والسكريات وانخفاض الألياف، بينما تتميز اللحوم النباتية الجيدة بانخفاض الدهون المشبعة والسعرات الحرارية، وخلوها من الكوليسترول، واحتوائها على ألياف أكثر.

كرات لحم نباتية من إنتاج شركة Zhenmeat الصينية الناشئة

من الفقاعة إلى المنحنى S

يرفض فريدريش فكرة أن بدائل اللحوم كانت «موضة عابرة». ويقارن مسارها التكنولوجي بمنحنى الابتكار المعروف باسم S-curve، حيث تبدأ التقنيات بطيئة ومكلفة، ثم تنطلق بسرعة هائلة عند نضجها. فالهواتف المحمولة كانت ضخمة وباهظة الثمن، والآيفون لم يظهر إلا قبل أقل من 20 عامًا، بينما لا يتجاوز عمر منتجات مثل «إمبوسيبل برغر» عشر سنوات.

ويستشهد بتاريخ السيارات، التي احتاجت فقط إلى 13 عامًا لتنتقل من منتج نادر إلى وسيلة نقل جماهيرية، رغم إفلاس معظم الشركات المصنعة في تلك المرحلة الانتقالية.

مكافحة اللحوم

الشركات الكبرى والأمن القومي

رغم مقاومة جماعات الضغط الزراعية في بعض الدول، فإن كبرى شركات اللحوم العالمية تبدو منفتحة على البدائل. فشركات مثل JBS استثمرت مئات الملايين في اللحوم المزروعة، ليس بدافع بيئي بالضرورة، بل لأسباب تجارية بحتة، تتعلق بالكفاءة وتقليل المخاطر في سلاسل الإمداد.

الأمر يتجاوز البيئة إلى الأمن القومي. فالدول التي تعتمد على استيراد الغذاء ترى في البروتينات البديلة وسيلة لتعزيز أمنها الغذائي.

ولهذا كانت دول مثل إسرائيل وسنغافورة من أوائل الداعمين للحوم المزروعة، بينما تضخ الصين استثمارات ضخمة في هذا المجال، وتسجل عددًا متزايدًا من براءات الاختراع.

لحم الدجاج المزروع

مستقبل على الطبق

يعترف فريدريش بأنه، رغم نباتيته الطويلة، لم يفقد شهيته للحوم. وعندما تذوق لحم الدجاج المزروع لأول مرة عام 2016، فوجئ بردة فعله الغريزية. «رائحة اللحم لا تزال تحفز اللعاب، كما تفعل لدى معظم البشر»، يقول.

وهكذا، يقف العالم أمام مفترق طرق: إما أن يستمر في مسار غذائي يهدد المناخ والصحة والأمن الغذائي، أو أن يوظف التكنولوجيا لإشباع شهيته القديمة بطريقة جديدة.

وبحسب فريدريش، فإن مستقبل «طعام البشرية المفضل» لن يُحسم في المزارع، بل في المختبرات والمصانع، وعلى موائد المستهلكين.

Exit mobile version