كل واحد فينا لديه شيء مفضل لا يتعب ولا يكل من متابعته او حتى التواجد معه.
ناس بتحب الكورة وناس بتحب الغناء والطرب وناس تانية بتحب القراءة وناس بتحب الرسم وناس بتحب الرغي والغيبة والنميمة.
كل واحد او واحدة منا يهتم بشيء معين وفيه ناس بتحب الوحدة وسعادتها ان تعيش بعيد عن الآخرين.
انا شخصيا احب الرسم ولكنى اتعب منه بعد ساعتين او ثلاثة ولا بد ان اتركه لأن مخي ترتفع درجة حرارته وتكل يدي من التعب.
ولكن الذي لم اشعر بملل منه ابد رغم ارهاق العين هو الفحص المجهري للكائنات الدقيقة والتركيب الداخلي للنباتات.
الفحص المجهري علم دقيق له ادوات وفنون تكتسبها بالعلم وبالخبرة وبالحب.
عرفنا العلم والخبرة ولكن ما هو الحب؟
الحب او العشق هو الشغف الذي يتملكك لتعرف ماذا يدور هناك في هذا العالم الصغير بين الكائنات الدقيقة وكيف تتصرف.
في احد الأيام كنت افحص عينة من جذر نخيل مصاب بالعفن وكانت العينة من تربة ثقيلة اي طينية وعندما صنعت قطاع في الجذر وحملته في قطرة ماء وبدأت افحصه تحت المجهر وجدت عالم زاخر بالكائنات الحية من بكتيريا الى فطريات وطحالب ونيماتودا.
كل هذا الخلق مجتمع في قطرة الماء الملاصقة لجذر النخيل.

كان المشهد مثل المسرح الذي يبدوا للمراقب ان كل الموجودين متهمين بلعب دور في عفن الجذور للنخيل وقد تعاونوا جميعا لقتل هذا المارد الضخم المسمي بنخلة التمر.
كان هناك ممثل على نفس المسرح عجيب السلوك يمر سريعا وهو يلوح بمجاديف وكأنه يستعرض مهارته في السباحة ولا تستطيع العين ملاحقته لسرعته.
اما ديدان النيماتودا فكانت راكدة وقليلة الحركة وكأنها ساكنة ولكنها تفاجئك بحركة ثعبانية تنقلها من مكان الى آخر.
وأنت تتابع هذا العالم تبدأ قطرة الماء تجف ويشرف الجميع على الهلاك ما لم تضيف الماء رويدا رويدا تحت الغطاء الزجاجي الرقيق الذي يفصل بين العينة والعدسة الشيئية للمجهر.
فجأة تعود الحياة مع اضافة الماء ويعود السيرك للنشاط.
ولكن كما يبدو ان الممثل السريع بدأ يشعر بالتعب، انه البراميسيوم الذي تعرفه بسهولة ليثبت براءته من مشكلة عفن الجذور.
كان البراميسيوم يلتهم البكتيريا بشراهة وبعد ان يهضمها يخرج من امعاءه مخلفات غنية بالمواد الغذائية التى تستخدمها الكائنات الاخري. اي ان البراميسيوم يعمل كالمفرمة على حساب البكتيريا.
اما النيماتودا التى تتلوي كالثعبان ففحص رأسها قد يكون دليل على اتهامها او تبرئتها.
كل النيماتودا الممرضة للنبات يوجد برأسها سلاح حاد يسمي الرمح، يأخذ الرمح اشكالا تختلف حسب جنس ونوع النيماتودا.
اما النيماتودا غير الممرضة للنبات ففمها خالي من الاسلحة الحادة وتعيش على الالتهام او الشفط للطعام.
منطقي جدا ان تحتاج النيماتودا الممرضة للنبات الى رمح مسنون لتخترق جدر خلايا النبات الصلبة.
كانت رأس النيماتودا التى امامي خالية من الرمح، كما ان عددها قليل وعدة عندما تكون النيماتودا سببا في المرض تشاهد بأعداد غفيرة تطغي على مسرح العمليات.
اذا ليس النيماتودا او البراميسيوم دخل في هذا المرض الذي سبب عفن الجذور.
بقي امامنا البكتيريا والفطريات وهي كثيرة ولكن توجد جراثيم مميزة لثلاث فطريات هما الالترنازيا والفيوزاريوم والثيلافبوبسز.
الالترناريا Alternaria فطر شائع ومنتشر في البيئة ولكن ليس من المسببات لعفن الجذور فيستبعد من الحسبة وخارج دائرة الإتهام.
الفيوزاريوم Fusarium ذو سمعة سيئة ويسبب عدد من الأمراض منها الذبول وعفن الجذور.
ولكن الفيوزاريوم المسبب للذبول ويسمي Fusarium oxysporum جراثيمه الكونيدية مميزه عن الفيوزاريوم المسبب لعفن الجذور ويسمي F.solan I ولكن هذه التفاصيل للفصل بين نوعي الجراثيم يحتاج خبرات خاصة وخاصة ان انواع الفيوزاريوم التى تصيب النبات بالعشرات.

ولكن دعنا نفرق بين ما نراه تحت المجهر
جراثيم فيوزاريوم الذبول نحيلة منجلية وذات قدم بارز وقمة مدببة اماً جراثيم فيوزاريوم سولاني سميكة تشبه اصبع الموز وقاعدتها غير واضحة التفاصيل.
الجراثيم التى امامي لفطر الفيوزاريوم ليست قطعا من نوع مسببات الذبول ولا يمكن القطع بأنها تابعة الى فطر عفن الجذور سولاني.
فطر الثياب فيوبسس مميز بجرثومتين كونيديتين احدهما اسطوانية شفافه والاخري بنية كبيرة الحجم مستديرة. لاداري امامي الا الجرثومة الكبيرة.
مرت ساعتين حتى الآن ولم اصل لخلاصة تؤكد من السبب في عفن الجذور ولكنى وصلت الى متهمين ونسيت تماما دور البكتيريا وذلك لم يكن مقصودا ولكن لمعرفتي السابقة ان البكتيريا لا تلعب دورا معروفا في امراض عفن الجذور في النخيل الا في البيئات مرتفعة الرطوبة والمغمورة بالماء احيانا وهذا لا يوجد في هذا البستان.
كيف نقرر بدقة سبب المرض حتى نعالجة ونحن قد تأكد لنا ان الفحص المجهري لا يكفي وان كان يدل على احتمالات. ماذا لو كان المسبب الحقيقي للمرض لا يكون جراثيم او تراكيب يمكن رؤيتها بالمجهر ؟
وقبل ان نواصل البحث ونكلف انفسنا مجهود ومواد واجهزة ووقت ياتري هذه العينة ممثلة للمشكلة التى امامنا واخذت عينة بالطريقة السليمة ؟
وهل توجد طرق معينة لأخذ العينات حتى نتحقق من المشكلة ونعرف سببها وحجمها حتى نكافحها ؟
نعم اخذ العينة الصحيح هو البداية لحل المشكلة وهذا موضوعنا القادم.
نقلا عن صفحة الدكتور محمد المليجي على الفيسبوك





