د.محمد الصوفي: نحو تصدير “أخضر”.. قراءة تحليلية لقرار وزير الاستثمار
خبير ومدرب دولي في البصمة الكربونية والتنمية المستدامة- عضو الاتحاد الدولي لمديري المرافق
أصدر وزير الاستثمار والتجارة الخارجية القرار رقم 33 لسنة 2026، والذي يُعد خطوة مهمة في مواءمة الصادرات المصرية مع المتطلبات البيئية العالمية، لا سيما في ظل تطبيق آليات مثل آلية تعديل حدود الكربون (CBAM) من قبل الاتحاد الأوروبي.
يأتي هذا القرار في إطار توجه الدولة المصرية نحو دعم التحول إلى الاقتصاد الأخضر وتعزيز الاستدامة في القطاع الصناعي.
وتتوافق هذه الخطوة مع الجهود المبذولة لمواجهة التحديات التي تفرضها الآليات البيئية العالمية الجديدة، مثل آلية تعديل حدود الكربون التي بدأ الاتحاد الأوروبي تطبيقها على منتجات الحديد والصلب والأسمنت والألومنيوم والأسمدة اعتبارًا من يناير 2026.
ويهدف القرار إلى تحويل هذا التحدي إلى فرصة للقطاع الخاص المصري لزيادة حصته في الأسواق الخارجية من خلال الالتزام بالمعايير البيئية.
جوهر القرار
استحدث القرار مادة جديدة (المادة 41 مكررًا) في لائحة قواعد الاستيراد والتصدير، تفرض على مُصدّري قطاعات حيوية العرض على الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات قبل إتمام العملية التصديرية.
والهدف من هذا الإجراء ليس التعقيد الإداري، بل ضمان نفاذ الصادرات عبر التأكد من استيفائها للاشتراطات البيئية التي تضعها الأسواق المستوردة.
ركز القرار على قائمة محددة من السلع التي تواجه ضغوطًا بيئية عالمية، مثل:
- قطاع البناء والتشييد: الأسمنت وحديد التسليح.
- الصناعات المعدنية والكيميائية: الألومنيوم والأسمدة.
- الصناعات الهندسية: قطع غيار السيارات، والغسالات، والأجهزة المنزلية.
وأوكل القرار إلى الهيئة مهمة بناء قاعدة بيانات سيادية من خلال تجميع تقارير الانبعاثات الكربونية المقدمة من الشركات.
ويخدم هذا التجميع غرضين أساسيين:
* دعم جهود الدولة في رسم خريطة دقيقة للبصمة الكربونية للصناعة المصرية.
* الامتثال الدولي من خلال تزويد المصدرين بالبيانات اللازمة لإثبات التزامهم بالمعايير الدولية أمام الجهات الرقابية الخارجية.
كما أكدت المادة الثانية من القرار على مبدأ “عدم التعطيل”، حيث نصت على أن هذه الإجراءات:
- لا تفرض أعباء مالية إضافية على المُصدّر.
- لا تخلق عوائق تنظيمية تزيد من زمن العملية التصديرية.
- تُعد ممارسة إحصائية وتنظيمية لدعم النفاذ إلى الأسواق وليس لتقييده.
تأثير القرار على قطاع الأسمدة في ظل تشريعات الاتحاد الأوروبي
يُعد تأثير القرار رقم 33 لسنة 2026 على قطاع الأسمدة محوريًا، لكونه أحد أكثر القطاعات استهدافًا بآلية تعديل حدود الكربون الأوروبية (CBAM)، ويتمثل ذلك في:
1- التوافق مع آلية CBAM الأوروبية
يُصنَّف قطاع الأسمدة ضمن الصناعات كثيفة الانبعاثات، ويمنح القرار الجديد المصدرين المصريين ميزة الامتثال المسبق؛ فبدلًا من مواجهة عقبات عند الموانئ الأوروبية، تضمن الهيئة أن التقارير الكربونية المُعدة محليًا تتوافق مع متطلبات بروكسل، ما يقلل من مخاطر رفض الشحنات أو فرض غرامات تأخير.
2- الميزة التنافسية السعرية
يهدف تجميع تقارير الانبعاثات إلى إثبات الكفاءة الكربونية، وإذا نجحت شركات الأسمدة المصرية في إثبات أن انبعاثاتها لكل طن منتج أقل من المعدلات المرجعية الأوروبية، فإن ذلك سيؤدي إلى:
* خفض تكلفة شهادات الكربون الواجب شراؤها داخل أوروبا.
* منح المنتج المصري أفضلية سعرية مقارنة بالمنافسين ذوي البصمة الكربونية الأعلى.
3- التحول نحو الأمونيا الخضراء
يدفع القرار الشركات المصرية بشكل غير مباشر نحو الاستثمار في الهيدروجين الأخضر لإنتاج الأمونيا الخضراء.
كما أن قاعدة البيانات التي ستنشئها الهيئة ستُبرز الشركات الملتزمة بيئيًا، مما يسهل حصولها على تمويلات دولية ميسرة (تمويل أخضر) لتطوير خطوط إنتاجها لتصبح منخفضة أو خالية من الكربون.
4- دور الهيئة كحائط صد قانوني
من خلال تجميع التقارير الكربونية، تصبح الهيئة الجهة الرسمية المالكة للدليل الإحصائي اللازم للدفاع عن الصادرات المصرية في حال نشوب نزاعات تجارية بيئية، بما يوفر مظلة حماية للشركات المصدرة دون تحميلها تكاليف تفاوض منفردة مع الجهات الخارجية.
الخلاصة
يُعد القرار رقم 33 لسنة 2026 استجابة ضرورية لمتطلبات العولمة البيئية الجديدة، ويعكس توجه الدولة نحو دعم التحول إلى الاقتصاد الأخضر وتعزيز تنافسية الصناعة المصرية.
كما أن قدرة الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات على إدارة هذا الملف ستحدد بدرجة كبيرة مستقبل الصناعات الثقيلة والهندسية المصرية في الأسواق العالمية، خاصة في ظل تصاعد الاشتراطات البيئية الأوروبية.





