ما العلاقة بين شرب الشاي وأمراض القلب والسكتة الدماغية؟ احذر السخونة

هل شرب سبعة أكواب يوميًا الأفضل؟ الشاي يرتبط بانخفاض مخاطر النوبات القلبية والسكتات الدماغية

قد ترتبط العادات اليومية البسيطة، مثل شرب الشاي، بصحة القلب والأوعية الدموية، لكن درجة حرارة المشروب وكميته وقوته قد تلعب دورًا في هذه العلاقة.
فقد رصدت دراسة واسعة النطاق أن الأشخاص الذين يشربون الشاي بانتظام كانوا أقل عرضة للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية والسكتات الدماغية خلال نحو تسع سنوات من المتابعة، بينما ارتبط تناوله شديد السخونة بارتفاع المخاطر.

وشملت الدراسة نحو 486 ألف شخص في الصين، وتوصلت إلى أن معدلات الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية كانت أقل بين شاربي الشاي المعتادين مقارنة بمن نادرًا ما يشربونه أو لا يشربونه مطلقًا.
لكن الباحثين يؤكدون أن النتائج لا تثبت أن الشاي نفسه هو السبب في هذا الانخفاض، إذ تظل احتمالات وجود عوامل أخرى مرتبطة بنمط الحياة قائمة.

أجرى التحليل زيشن يي من الأكاديمية الصينية للعلوم الطبية وكلية بكين يونيون الطبية، تحت إشراف يو جيانج من المؤسسة نفسها وليمينج لي من مركز العلوم الصحية بجامعة بكين، بمشاركة باحثين من جامعة هونج كونج وجامعة صن يات-سن.
ونُشرت الدراسة في مجلة Journal of Internal Medicine.

دراسة تابعت نحو 486 ألف شخص لمدة تسع سنوات

شرب الشاي

اعتمد الباحثون على بيانات مشروع «بنك الصين الحيوي كادوري» (China Kadoorie Biobank)، وهو مشروع طويل الأمد يتابع الحالة الصحية وعوامل الخطر لدى السكان، وشمل المشروع بالغين تتراوح أعمارهم بين 30 و79 عامًا، جرى تسجيلهم في خمس مدن وخمس مناطق ريفية صينية بين عامي 2004 و2008.

وبعد استبعاد المشاركين الذين كانوا يعانون بالفعل السرطان أو أمراض القلب أو السكتة الدماغية، بقي 485,934 شخصًا ضمن التحليل. وبلغ متوسط أعمارهم نحو 52 عامًا عند بدء الدراسة، وشكلت النساء 59% من المشاركين.

وكان 148,229 شخصًا، أي أقل بقليل من ثلث المشاركين، يشربون الشاي بانتظام. وظهر تفاوت واضح بين الجنسين؛ إذ أفاد نحو نصف الرجال بشرب الشاي مرة أسبوعيًا على الأقل، مقابل نحو خُمس النساء.

وخلال فترة متابعة بلغ متوسطها تسع سنوات، أصيب 14,863 مشاركًا بأحد أمراض القلب والأوعية الدموية، بما يعادل نحو 3% من العينة، وشملت الحالات النوبات القلبية والسكتات الدماغية وانسداد الشرايين في الساقين.

وبعد أخذ عوامل عدة في الحسبان، منها العمر والجنس والمنطقة والتعليم والوزن والتدخين واستهلاك الكحول والنشاط البدني والتاريخ المرضي، وجد الباحثون أن شرب الشاي بانتظام ارتبط بانخفاض معدل الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية بنسبة 11% مقارنة بمن نادرًا ما يشربونه أو لا يشربونه.

كما ارتبط شرب الشاي بانخفاض مخاطر السكتات الدماغية الناتجة عن انسداد الأوعية الدموية بنسبة 37%، وانخفاض مخاطر النوبات القلبية بنسبة 17%.

في المقابل، لم يجد الباحثون ارتباطًا واضحًا بين شرب الشاي والسكتات الدماغية النزفية، أو مشكلات القلب المرتبطة بأمراض الرئة.

الشاي شديد السخونة ارتبط بارتفاع المخاطر

احتمال تسرب مليارات الجسيمات البلاستيكية من أكياس الشاي إلى المشروبات الساخنة

لم تتوقف الدراسة عند سؤال المشاركين عما إذا كانوا يشربون الشاي، بل تناولت أيضًا درجة الحرارة التي يفضلون تناوله عندها.

وأظهرت النتائج أن الأشخاص الذين اعتادوا شرب الشاي في درجة حرارة الغرفة أو ساخنًا، دون أن يكون شديد السخونة، سجلوا انخفاضًا في مخاطر أمراض القلب والأوعية الدموية بنحو 17% مقارنة بمن نادرًا ما يشربونه أو لا يشربونه.

أما الذين وصفوا الشاي الذي يشربونه بأنه شديد السخونة إلى درجة الحرق، فقد ارتبطت عادتهم بارتفاع مخاطر الإصابة بهذه الأمراض بنسبة 16%.

وقال زيشن يي، إن من أبرز الرسائل العملية للدراسة تجنب شرب الشاي في درجات حرارة حارقة، مقترحًا ترك الكوب الساخن حتى يبرد قليلًا قبل تناوله، ومع ذلك، لا تثبت هذه النتائج أن حرارة الشاي هي السبب المباشر في ارتفاع المخاطر؛ إذ اعتمدت الدراسة على تقدير المشاركين لدرجة حرارة مشروباتهم، ولم تستخدم مقياسًا حراريًا لتحديدها بدقة.

ومن المعروف أن المشروبات شديدة السخونة قد تسبب إصابات في الجزء العلوي من الجهاز الهضمي، لكن الباحثين أوضحوا أن الآلية التي قد تربط حرارة الشاي بمخاطر أمراض القلب والأوعية الدموية لا تزال غير مفهومة، وأنه من السابق لأوانه الجزم بأن إصابات الأنسجة الناتجة عن الحرارة تفسر العلاقة التي رصدتها الدراسة.

قوة الشاي ونوعه قد يؤثران في النتائج

بحث الفريق أيضًا العلاقة بين تركيز الشاي والمخاطر الصحية. وارتبط الشاي متوسط القوة بأقل معدل للمخاطر، بانخفاض بلغ نحو 13% مقارنة بمن نادرًا ما يشربونه أو لا يشربونه.

أما الشاي شديد التركيز، فكان الارتباط بانخفاض المخاطر أضعف، ولم يستبعد الباحثون أن يكون ذلك نتيجة المصادفة الإحصائية.

وفي المقارنة بين أنواع الشاي، ظهر ارتباط أكثر اتساقًا بانخفاض المخاطر لدى شاربي الشاي الأسود مقارنة بالشاي الأخضر. وتختلف هذه النتيجة عن بعض الدراسات السابقة التي رصدت فوائد أكثر وضوحًا للشاي الأخضر.

واقترح الباحثون، أن المركبات التي تتكون خلال عمليات تخمير الشاي الأسود قد تسهم في تفسير الاختلاف، لكنهم لم يستبعدوا تأثير العادات الحياتية والفروق الجغرافية بين الأشخاص الذين يفضلون كل نوع.
وشدد يي على أن النتائج لا تثبت أن الشاي الأسود أفضل بطبيعته لصحة القلب، ولا تعني ضرورة انتقال شاربي الشاي الأخضر إلى الشاي الأسود.

وبما أن الدراسة رصدية، فإن الاختلافات بين المجموعات قد ترتبط بعوامل أخرى لم تُقَس أو لم تُضبط بالكامل، ولا يمكن تفسير الارتباط وحده بوصفه دليلًا على تفوق نوع معين من الشاي.

هل شرب سبعة أكواب يوميًا هو الأفضل؟

حلل الباحثون أيضًا كمية الشاي التي يتناولها الأشخاص الذين يشربونه مرة أسبوعيًا على الأقل، والبالغ عددهم 160,466 مشاركًا. وبلغ متوسط الاستهلاك المعتاد أقل قليلًا من ثلاثة أكواب يوميًا.

ووفقًا للتحليل، انخفضت المخاطر المقدرة مع زيادة عدد الأكواب، حتى وصلت إلى أدنى مستوياتها تقريبًا عند سبعة أكواب يوميًا، حيث كانت أقل بنحو 35% مقارنة بأصحاب أقل مستويات الاستهلاك. وبعد ذلك، بدأت الفائدة المرتبطة بالشرب تتراجع تدريجيًا مع الارتفاع الكبير في الكمية، حتى اقتربت من الاختفاء عند استهلاك أكثر من نحو 21 كوبًا يوميًا.

لكن هذه الأرقام لا تعني أن سبعة أكواب تمثل الكمية المثالية أو الموصى بها طبيًا.

وقال يي إن أقل المخاطر المقدرة ظهرت عند استهلاك نحو ستة إلى ثمانية أكواب يوميًا، لكنه حذر من تفسير هذه النتيجة باعتبارها توصية بشرب هذه الكمية. فأحجام الأكواب وطرق تحضير الشاي تختلف، كما أن الدراسة لم تُصمم لتحديد الكمية المثلى أو الآمنة للجميع.

واعتمد الباحثون في تقدير الاستهلاك اليومي على منتصف النطاق الذي اختاره كل مشارك في الإجابة عن أسئلة الاستبيان، وهو ما يجعل تحديد نقطة الانخفاض الأدنى بدقة أمرًا صعبًا.

لذلك، فإن النتيجة الأهم ليست وجود عدد سحري من الأكواب، بل أن العلاقة المرصودة لم تستمر في التحسن مع زيادة الاستهلاك بلا حدود، وأن الارتباط بدا أضعف عند المستويات المرتفعة جدًا.

الشاي والتدخين والنشاط البدني

اختبر الباحثون كذلك العلاقة بين شرب الشاي وعادات التدخين والنشاط البدني. وعند مقارنة مجموعات المشاركين، وجدوا أن الأشخاص الذين اجتمعت لديهم ثلاثة عوامل هي شرب الشاي بانتظام، وعدم التدخين حاليًا، وارتفاع النشاط البدني، سجلوا معدل إصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية أقل بنسبة 45% مقارنة بمن كانوا يدخنون حاليًا، وقليلي الحركة، ولا يشربون الشاي.

لكن هذه النسبة تمثل مقارنة بين مجموعات تختلف في عاداتها، ولا تعني أن تبني العادات الثلاث سيخفض مخاطر الإصابة لدى كل فرد بنسبة 45%.

وقدّر الباحثون أيضًا أنه إذا تبنى جميع أفراد السكان هذه العادات، فقد يكون من الممكن تجنب نحو 30% من حالات أمراض القلب والأوعية الدموية الجديدة. غير أن هذا التقدير يعتمد على افتراضات بشأن العلاقة السببية ونماذج حسابية، وليس على تجربة أثبتت أن تغيير العادات سيؤدي حتمًا إلى هذا الانخفاض.

وارتبط شرب الشاي بمخاطر أقل حتى بين المدخنين، لكن مخاطرهم ظلت أعلى من مخاطر غير المدخنين.

وأكد الباحثون أن الأدلة العلمية على أهمية الإقلاع عن التدخين وممارسة النشاط البدني أقوى بكثير من الأدلة المتاحة بشأن تأثير الشاي. ولذلك، ينبغي النظر إلى الشاي باعتباره احتمالًا ضمن نمط حياة صحي متكامل، لا بديلًا عن وسائل الوقاية المثبتة.

هل يحمي الشاي القلب فعلًا؟

تقدم الدراسة أدلة وبائية واسعة النطاق على وجود ارتباط بين شرب الشاي وبعض المؤشرات الصحية، لكنها لا تحسم ما إذا كان الشاي نفسه هو المسؤول عن انخفاض المخاطر.

فقد سُجلت عادات الشرب مرة واحدة عند انضمام المشاركين إلى الدراسة، ولم يتمكن التحليل من تتبع التغيرات التي ربما طرأت عليها خلال السنوات التالية. كما اعتمد تقييم درجة الحرارة وقوة الشاي على تقديرات الأشخاص أنفسهم.

ولم يأخذ التحليل في الحسبان استهلاك القهوة أو النظام الغذائي العام، كما لم يتضمن قياسًا لمستويات التوتر، وإضافة إلى ذلك، فإن المشاركين كانوا من البالغين في الصين الذين جرى تسجيلهم قبل نحو عقدين، بينما تختلف أنواع الشاي وطرق تحضيره وعادات استهلاكه بين المجتمعات.

وقال يي، إن فريق البحث يعتبر النتائج أدلة وبائية مشجعة، وليست برهانًا نهائيًا على وجود تأثير وقائي مباشر للشاي.

وتتمثل الخطوة التالية في تكرار سؤال المشاركين عن عادات شرب الشاي على فترات منتظمة، بدلًا من الاعتماد على إجابة واحدة في بداية الدراسة.
ويخطط الباحثون أيضًا لقياس مؤشرات حيوية مرتبطة بالشاي داخل الجسم، للحصول على تقديرات أكثر موضوعية للاستهلاك، واستخدام مناهج بحثية تساعد على اختبار العلاقة السببية.

وتدعم النتائج، في الوقت الحالي، فكرة الاعتدال في تناول الشاي وتجنب شربه وهو شديد السخونة، لكنها لا تبرر زيادة الاستهلاك إلى كميات كبيرة بهدف الوقاية من أمراض القلب. وتظل الأولوية للإقلاع عن التدخين، والنشاط البدني المنتظم، واتباع نمط حياة صحي، إلى جانب وسائل الوقاية الطبية المعتمدة.

↑
Exit mobile version