دراسة استمرت 38 عامًا تكشف أن حالة الأراضي الرطبة كانت مرتبطة بتغير جريان المياه في 69% من أحواض الأنهار المدروسة بصورة أقوى من مؤشرات مناخية مثل الأمطار والثلوج والجفاف
عندما تحمل الأنهار مياهًا أكثر في عام مقارنة بعام آخر، تبدو الإجابة للوهلة الأولى واضحة: مزيد من الأمطار والثلوج يعني مزيدًا من المياه في الأنهار.
لكن دراسة جديدة تكشف أن هذه ليست القصة كاملة، خصوصًا في المناطق الغنية بالأراضي الرطبة.
فما يحدث بعد وصول المياه إلى الأرض قد يكون بنفس أهمية كمية المياه التي تسقط من السماء، وربما أكثر تأثيرًا في تحديد كمية المياه التي تصل في النهاية إلى الأنهار.
وأظهرت الدراسة، التي اعتمدت على 38 عامًا من بيانات الأقمار الصناعية وسجلات المناخ والجريان المائي لـ109 أحواض تصريف، أن تغير مساحة الأراضي الرطبة المغمورة بالمياه كان أكثر ارتباطًا بتغير الجريان السنوي من مؤشرات المناخ في 69% من الأحواض المدروسة.
وهذا يعني أن فهم الأنهار والفيضانات في المناطق الغنية بالأراضي الرطبة لا يتطلب مراقبة السماء فقط، بل مراقبة حالة الأرض نفسها.
ونُشرت الدراسة في دورية Communications Earth & Environment.
ملايين الأراضي الرطبة.. وخزان مائي مخفي
ركز الباحثون على منطقة براري الحفر Prairie Pothole Region الممتدة عبر السهول العظمى الشمالية في كندا والولايات المتحدة.
وتضم المنطقة ما يقدر بنحو 5 إلى 8 ملايين أرض رطبة تشكلت بفعل الأنهار الجليدية القديمة.
وتوجد كثير من هذه الأراضي الرطبة داخل منخفضات ضحلة في سطح الأرض، ولا ترتبط بصورة دائمة بالأنهار أو بشبكة المياه السطحية.
لكن هذا الانفصال الظاهري لا يعني أنها بلا تأثير على الأنهار.
فعندما تهطل الأمطار أو يذوب الثلج، تبدأ هذه المنخفضات في استقبال المياه وتخزينها. وفي البداية يمكن أن تبقى كميات كبيرة من المياه محجوزة داخل هذه الأراضي، من دون أن تصل مباشرة إلى مجاري الأنهار.
وهنا تظهر الوظيفة التي وصفها الباحثون بأنها أشبه بـ«مفتاح هيدرولوجي».
الأراضي الرطبة تعمل كمفاتيح للمياه
يمكن تخيل شبكة الأراضي الرطبة مثل ملايين الأوعية المنتشرة في المشهد الطبيعي.
عندما يبدأ المطر أو ذوبان الثلوج، تمتلئ الأوعية تدريجيًا.
في هذه المرحلة، تستطيع الأرض الرطبة الاحتفاظ بالمياه، وبالتالي لا تتحول كل المياه الداخلة إلى جريان يصل إلى الأنهار.
لكن مع استمرار الامتلاء، تصل بعض المنخفضات إلى قدرتها القصوى على التخزين.
عندها تبدأ المياه في الفيضان من منخفض إلى آخر، وتتسع الروابط المائية بين أجزاء المشهد الطبيعي، ويبدأ المزيد من الأراضي في الإسهام في تغذية شبكة الأنهار.
وتُعرف هذه العملية باسم «الامتلاء ثم الفيضان» Fill–Spill Hydrology.
وهنا يحدث التحول المهم: فالمنطقة التي كانت تعمل في البداية كخزان يمتص المياه، يمكن أن تتحول تدريجيًا إلى شبكة تنقل المياه بسرعة أكبر نحو الأنهار.
مفاجأة الدراسة.. الأرض قد تكون أهم من السماء
اختبر الباحثون العلاقة بين تغير جريان الأنهار وعدد من المؤشرات المناخية، بينها:
- كمية الأمطار
- استمرار الغطاء الثلجي
- درجة الجفاف
- مساحة الأراضي الرطبة المغمورة
وكانت النتيجة اللافتة أن 69% من أحواض التصريف أظهرت ارتباطًا أقوى بين تغير الجريان السنوي ومساحة الأراضي الرطبة المغمورة مقارنة بأي من المؤشرات المناخية التي اختبرها الباحثون.
ولا يعني ذلك أن المناخ أصبح غير مهم.
فالأمطار والثلوج ودرجة الحرارة والتبخر تحدد كمية المياه التي تصل إلى الأرض، كما أن استمرار الثلوج كان عاملًا مهمًا في تحديد مدى امتلاء الأراضي الرطبة في كثير من المناطق.
لكن الدراسة تشير إلى أن تأثير المناخ على الأنهار قد يمر في كثير من الحالات عبر تغيير حالة الأراضي الرطبة أولًا.
أي أن المعادلة ليست ببساطة: مزيد من المطر = مزيد من مياه الأنهار.
بل قد تكون: مزيد من المطر → امتلاء الأراضي الرطبة → تجاوز سعة التخزين → زيادة الاتصال المائي → ارتفاع الجريان في الأنهار.
عتبة 1.7%.. اللحظة التي يتغير فيها سلوك المياه
قدم أحد أحواض التصريف في ولاية ساسكاتشوان الكندية مثالًا واضحًا على هذه الظاهرة.
فقد ظل الجريان السنوي منخفضًا عندما كانت مساحة الأراضي الرطبة المغمورة أقل من نحو 1.7% من مساحة الحوض.
لكن عندما تجاوزت مساحة الغمر هذه النسبة، ارتفع الجريان بصورة حادة.
وهذا السلوك يكشف أن النظام لا يستجيب للمياه بطريقة خطية دائمًا.
فقد يستوعب المشهد الطبيعي كميات متزايدة من المياه لفترة، من دون أن يظهر تغير كبير في كمية المياه التي تصل إلى النهر.
لكن بمجرد امتلاء عدد كافٍ من المنخفضات وتكوين روابط بينها، يمكن أن ينتقل النظام بسرعة إلى حالة مختلفة تمامًا، تصبح فيها المياه أكثر قدرة على الحركة نحو مجرى النهر.
64 % أظهرت سلوكًا مشابهًا
لم تكن حالة ساسكاتشوان استثناءً.
فمن بين الأحواض التي سيطرت فيها ديناميكيات الامتلاء والفيضان على حركة المياه، أظهر 64% منها سلوكًا مشابهًا قائمًا على وجود عتبة يتغير بعدها نمط الجريان بصورة واضحة.
وكانت هذه الظاهرة أكثر وضوحًا في المناطق التي تحتوي على أعداد أكبر من الأراضي الرطبة المعزولة جغرافيًا.
وقد تبدو هذه الأراضي منفصلة تمامًا عن الأنهار خلال فترات الجفاف، لكنها تمتلك قدرة تخزينية يمكن أن تحدد متى تبدأ الروابط المائية الأوسع في النشاط.
وبالتالي فإن الأرض الرطبة التي تبدو معزولة وغير مؤثرة خلال فترة الجفاف قد تصبح عنصرًا مهمًا في شبكة المياه عندما ترتفع مستويات الامتلاء.
لماذا تهم هذه النتيجة في مواجهة الفيضانات والجفاف؟
تكمن أهمية هذه النتائج في أنها قد تغير طريقة توقع استجابة الأنهار للأمطار والثلوج.
فالنماذج الجوية يمكنها أن تخبرنا بكمية الأمطار المتوقعة، لكنها لا تخبرنا بالضرورة مدى استعداد الأرض لاستقبال هذه المياه وتمريرها إلى الأنهار.
إذا كانت الأراضي الرطبة غير ممتلئة، فقد تستطيع المنطقة امتصاص كميات كبيرة من المياه.
أما إذا كانت الأراضي الرطبة ممتلئة بالفعل ومتصلة ببعضها، فإن الكمية نفسها من الأمطار يمكن أن تؤدي إلى استجابة نهرية أسرع وأقوى.
وهذا يعني أن التنبؤ بمخاطر الفيضانات قد يستفيد من الجمع بين بيانات الطقس والمناخ وبيانات حالة الأراضي الرطبة.
الأقمار الصناعية تراقب «حالة» الأرض من الفضاء
اعتمدت الدراسة على 38 عامًا من مشاهدات الأقمار الصناعية لرصد التغير السنوي في مساحة الأراضي الرطبة التي غمرتها المياه.
وتوفر هذه التقنية ميزة مهمة للغاية؛ إذ يصعب مراقبة ملايين المنخفضات والأراضي الرطبة ميدانيًا بصورة مستمرة وعلى مساحة جغرافية شاسعة.
أما الأقمار الصناعية فتتيح مراقبة التغيرات في مساحة المياه عبر مناطق واسعة، ثم مقارنة هذه البيانات بالسجلات المناخية وبيانات تدفق الأنهار.
ومع تطور قدرات الاستشعار عن بعد، يمكن أن تصبح مراقبة حالة الأراضي الرطبة عنصرًا أكثر أهمية في أنظمة التنبؤ بالفيضانات وإدارة المياه.
خسارة الأراضي الرطبة قد تغير مسار المياه
النتيجة لا تتعلق بالتنبؤ بالفيضانات فقط.
فالأراضي الرطبة ليست مجرد مساحات طبيعية توفر موائل للكائنات الحية، بل هي جزء من النظام الهيدرولوجي نفسه.
وعندما يتم تجفيف الأراضي الرطبة أو فقدانها نتيجة التوسع العمراني أو تغير استخدامات الأراضي أو التدخلات الزراعية، فإن كمية التخزين المائي وتوزيعه داخل المشهد الطبيعي يمكن أن تتغير.
وبالتالي قد يتغير أيضًا توقيت انتقال المياه وكميتها نحو الأنهار.
وهذا يجعل حماية الأراضي الرطبة قضية تتجاوز الحفاظ على التنوع البيولوجي، لتصبح جزءًا من إدارة مخاطر الفيضانات والأمن المائي والتكيف مع تغير المناخ.
المناخ مهم.. لكن الأرض تحدد ما تفعله المياه
تقدم الدراسة صورة أكثر تعقيدًا لدورة المياه في السهول العظمى.
فالمناخ يحدد إلى حد كبير كمية المياه التي تصل إلى الأرض، لكن حالة الأراضي الرطبة تساعد في تحديد ما الذي سيحدث لهذه المياه بعد وصولها.
وقد تبقى المياه مخزنة داخل ملايين المنخفضات، أو تبدأ في التحرك بين الأراضي الرطبة، أو تتحول إلى جريان أكثر اتصالًا يصل إلى الأنهار.
ومن هنا فإن مراقبة كمية المطر والثلج وحدها قد لا تكون كافية لفهم سلوك الأنهار في المناطق الغنية بالأراضي الرطبة.
الأهم هو معرفة مدى امتلاء المشهد الطبيعي نفسه.
درس مهم للزراعة وإدارة المياه
تكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في المناطق الزراعية، حيث يمكن أن تؤثر التغيرات في الأراضي الرطبة على تخزين المياه وتصريفها وعلى توقيت وصول المياه إلى الأنهار.
ومع زيادة تقلبات المناخ، قد تصبح القدرة على معرفة ما إذا كان المشهد الطبيعي في حالة «تخزين» أو «اتصال» أكثر أهمية في التخطيط لإدارة المياه.
كما تشير الدراسة إلى أن إزالة الأراضي الرطبة لا ينبغي تقييمها فقط باعتبارها فقدانًا لموطن طبيعي، وإنما أيضًا باعتبارها تغييرًا في البنية التي تخزن المياه وتعيد توزيعها عبر المناظر الطبيعية.
من السماء إلى الأرض.. تغيير زاوية النظر إلى الأنهار
الدرس الأوسع من الدراسة هو أن الأنهار لا تستجيب للمناخ بمعزل عن الأرض.
فالمطر والثلج يوفران المياه، لكن شبكة الأراضي الرطبة قد تحدد ما إذا كانت هذه المياه ستبقى مخزنة لبعض الوقت، أم ستتحول إلى جريان سريع نحو الأنهار.
ولهذا فإن تحسين توقعات الفيضانات والجفاف في المناطق الرطبة قد يتطلب دمج ثلاثة أنواع من المعلومات: ما يسقط من السماء، وما يحدث للمياه على الأرض، ومدى اتصال أجزاء المشهد الطبيعي ببعضها.
وبعد 38 عامًا من مراقبة الأراضي الرطبة عبر الأقمار الصناعية، تقدم الدراسة رسالة واضحة: لفهم سبب ارتفاع مياه الأنهار في بعض السنوات وانخفاضها في سنوات أخرى، لا يكفي أن ننظر إلى السماء.
علينا أن ننظر أيضًا إلى الأراضي الرطبة التي تخزن المياه تحتها.
