ليس وقت الشاشة وحده.. ما يشاهده الأطفال قد يؤثر في نومهم وسلوكهم وتعلمهم
محتوى التلفزيون قد يكون أهم من عدد الساعات التي يقضيها الأطفال أمام الشاشة
لا تتوقف آثار مشاهدة التلفزيون لدى الأطفال عند عدد الساعات التي يقضونها أمام الشاشة؛ إذ قد يكون لنوعية المحتوى دور مهم في ارتباطات مشاهدة الشاشات بالنوم والسلوك واللغة والقدرة على التعلم، كما تختلف هذه الارتباطات باختلاف عمر الطفل وطبيعة التفاعل الأسري مع ما يشاهده.
هذا ما خلصت إليه مراجعة بحثية حللت نتائج 30 دراسة تناولت أطفالًا صغارًا من أسر أمريكية منخفضة الدخل، وأجراها مينال مانيشا من جامعة جورجيا بالاشتراك مع الباحث ويليام شنايدر.
وتشير النتائج إلى أن تقييم استخدام الأطفال للشاشات يحتاج إلى النظر في طبيعة البرامج، ومرحلة النمو، والظروف الأسرية المحيطة بالمشاهدة، بدلًا من الاعتماد على إجمالي وقت الشاشة وحده.
ومن أبرز النتائج التي ناقشتها المراجعة، تحسن نوم الأطفال في تجربة استبدلت فيها الأسر البرامج العنيفة بمحتوى يعرض سلوكيات مثل اللطف والتعاون، رغم أن تقليل مدة المشاهدة لم يكن الهدف الأساسي من التدخل.
محتوى البرامج يرتبط بالسلوك الاجتماعي
يمكن لبرامج الأطفال أن تعرض نماذج إيجابية لحل الخلافات وطلب المساعدة وإشراك الآخرين، لكنها قد تقدم أيضًا سلوكيات عدوانية توحي بأن الصراخ أو إيذاء الآخرين وسيلة فعالة للحصول على ما يريد الطفل.
وعبر الدراسات التي تناولتها المراجعة، ارتبطت مشاهدة المحتوى العنيف بمستويات أعلى من السلوك العدواني والمشكلات السلوكية.
كما أشارت إحدى الدراسات إلى اختلاف أنماط العدوان المرتبطة بالمحتوى بين الأولاد والبنات؛ إذ ارتبطت المشاهدة لدى الأولاد بالعدوان الجسدي واللفظي، بينما ارتبطت لدى البنات بأشكال من العدوان الاجتماعي الذي يستهدف العلاقات والصداقات.
في المقابل، ارتبطت بعض البرامج التي تركز على التعاون والتعاطف بنتائج اجتماعية إيجابية.
فقد ربطت إحدى الدراسات مشاهدة برنامج «شارع سمسم» (Sesame Street) بزيادة التعاون بين أطفال من مجتمعات محرومة، فيما ارتبط برنامج «حي دانيال تايجر» (Daniel Tiger’s Neighborhood) بتعزيز ثقة الأطفال في قدراتهم.
لكن هذه النتائج لا تعني أن حلقة تلفزيونية واحدة تغير شخصية الطفل، كما أنها لا تثبت أن المحتوى وحده هو المسؤول عن السلوك.
فمعظم الدراسات التي شملتها المراجعة رصدت عادات المشاهدة في الحياة اليومية، ولم توزع الأطفال عشوائيًا على أنواع مختلفة من البرامج، وهو ما يجعل نتائجها كاشفة عن ارتباطات محتملة أكثر من كونها دليلًا قاطعًا على السببية.
هل تناسب البرامج التعليمية جميع الأعمار؟
لا يضمن وصف برنامج بأنه «تعليمي» أن يكون مفيدًا لجميع الأطفال؛ إذ تتباين قدرتهم على فهم المحتوى والاستفادة منه وفقًا لمرحلة النمو.
ففي الدراسات التي تناولت الأطفال في عمر ثلاث سنوات أو أقل، ارتبطت مشاهدة التلفزيون في معظم الحالات بمستويات أضعف من المهارات اللغوية والتفكير.
وأشارت إحدى الدراسات إلى أن الأطفال الذين تراوحت أعمارهم بين 8 و16 شهرًا وشاهدوا أقراص فيديو تعليمية، مثل «بيبي أينشتاين» (Baby Einstein)، امتلكوا مفردات أصغر.
لكن النتائج لدى الأطفال الدارجين كانت أقل اتساقًا. فقد ربطت دراسة مشاهدة برنامجي «شارع سمسم» و«تيليتابيز» (Teletubbies) في عمر 30 شهرًا بمفردات أصغر، بينما وجدت دراسة أخرى ارتباطًا بين مشاهدة برامج «دورا المستكشفة» (Dora the Explorer) و«آرثر» (Arthur) و«بلووز كليوز» (Blue’s Clues) ومفردات أكبر في العمر نفسه.
وطرح الباحثون احتمال أن البرامج التي تخاطب الطفل مباشرة وتمنحه وقتًا للرد قد تساعد في تفسير هذا الاختلاف، إلا أن ذلك يظل تفسيرًا محتملًا، وليس دليلًا على أن برنامجًا بعينه سيحسن اللغة لدى جميع الأطفال.
فوائد محتملة للتعلم في مرحلة ما قبل المدرسة
أظهرت بعض البرامج التعليمية نتائج إيجابية لدى الأطفال الأكبر سنًا في مرحلة ما قبل المدرسة، خاصة عندما أُدمج محتواها في أنشطة تعليمية منظمة.
ففي تجربة عشوائية شملت أطفالًا من أسر منخفضة الدخل، تحسنت قدرة الأطفال على التعرف إلى الحروف وأصواتها عندما تضمنت دروسهم الصفية مقاطع من برامج «سوبر واي!» (SuperWhy!) و«بين ذا ليونز» (Between the Lions) و«شارع سمسم».
غير أن المقاطع عُرضت ضمن دروس يقدمها المعلمون؛ لذلك لا تثبت التجربة أن تشغيل البرامج نفسها في المنزل، من دون سياق تعليمي أو تفاعل إضافي، سيحقق النتائج ذاتها.
كما اختلفت الفوائد المحتملة لبرنامج «حي دانيال تايجر» باختلاف العمر.
فقد استفاد الأطفال الذين تبلغ أعمارهم أربع سنوات أو أقل بصورة أكبر من الأطفال الأكبر سنًا في تعلم فهم المشاعر والتعاطف مع الآخرين.
وكان للتفاعل الأسري دور أيضًا؛ إذ حقق أطفال الأسر منخفضة الدخل استفادة أكبر من البرنامج مقارنة بأطفال الأسر الأكثر ثراءً عندما تحدث الآباء معهم عن محتواه.
وتشير هذه النتائج إلى أن أثر البرنامج لا يعتمد على محتواه وحده، بل قد يتأثر بعمر الطفل والطريقة التي يتفاعل بها الوالدان معه أثناء المشاهدة أو بعدها.
تغيير المحتوى قد يساعد على تحسين النوم
يقدم النوم مثالًا واضحًا على أهمية النظر إلى نوعية المحتوى، وليس مدة المشاهدة فقط.
فقد ربطت دراسة تناولت أطفالًا تتراوح أعمارهم بين ثلاث وخمس سنوات بين استخدام الشاشات مساءً، ومشاهدة البرامج العنيفة، وزيادة مشكلات النوم.
وشملت هذه المشكلات استغراق أكثر من 20 دقيقة للدخول في النوم، والاستيقاظ المتكرر ليلًا، والشعور بالتعب خلال النهار.
وفي تجربة عشوائية لاحقة، ساعد الباحثون الأسر على استبدال المحتوى العنيف ببرامج تعرض سلوكيات إيجابية مثل اللطف والتعاون. وتحسن نوم الأطفال بعد هذا التغيير، رغم أن التجربة لم تستهدف خفض إجمالي وقت المشاهدة.
ولا تعني هذه النتيجة أن جميع مشكلات النوم يمكن حلها بمجرد تغيير البرامج، لكنها تشير إلى أن طبيعة المحتوى المسائي قد تكون عاملًا يستحق الاهتمام عند التعامل مع عادات النوم لدى الأطفال.
ورصدت المراجعة ارتباطات صحية أخرى؛ إذ ارتبطت زيادة المشاهدة بقضاء وقت أطول في الجلوس، كما ارتبط وجود أجهزة تلفزيون داخل غرف النوم بارتفاع معدلات السمنة لدى أطفال من أسر منخفضة الدخل.
وأظهرت تجارب منفصلة أن الأطفال تناولوا كميات أكبر من الطعام أثناء مشاهدة التلفزيون.
وتظل هذه النتائج متفاوتة في طبيعتها، ولا تثبت جميعها أن الشاشة أو المحتوى وحدهما يتسببان مباشرة في المشكلات الصحية المرصودة.
ظروف الأسرة تحدد خيارات المشاهدة
لا تتخذ الأسر قرارات المشاهدة في ظروف متساوية، فقد يجد بعض الآباء صعوبة في توفير بدائل للشاشة بسبب ساعات العمل الطويلة، أو أعباء الرعاية المنزلية، أو محدودية أماكن اللعب الآمنة وخدمات رعاية الأطفال.
ووفقًا لمسح أجرته مؤسسة «كومون سينس ميديا» (Common Sense Media) عام 2025، استخدم الأطفال في الأسر منخفضة الدخل الوسائط الرقمية بمعدلات أعلى من الأطفال في الأسر الأكثر ثراءً.
كما وجدت إحدى الدراسات التي شملتها المراجعة أن ساعات عمل الوالدين والضغوط اليومية ومستوى الدعم المتاح للأسرة ساعدت في التنبؤ بمقدار الوقت الذي يقضيه الأطفال أمام الشاشات.
وفي دراسة أخرى تناولت أسرًا منخفضة الدخل في مناطق حضرية، تبين أن بعض الآباء كانوا يمنحون أطفالهم الأجهزة المحمولة للمساعدة على تهدئتهم في الأماكن العامة أو إتاحة الوقت لإنجاز الأعمال المنزلية والمهام اليومية، فيما استخدمها بعضهم وقت النوم. وبحلول سن الرابعة، كان معظم الأطفال في تلك الدراسة يمتلكون جهازًا خاصًا بهم.
وتوضح هذه النتائج أن التوصية بإيقاف الشاشة لا تكفي وحدها لمعالجة المشكلة؛ فالبدائل المتاحة للأسرة تتأثر بالوقت والموارد والبيئة المحيطة بها.
لذلك، دعا الباحثون المتخصصين إلى مناقشة عادات استخدام الوسائط مع الأسر، والمساعدة في وضع خطط واقعية تراعي ظروفها اليومية ومدى توافر وقت الوالدين.
المشاهدة المشتركة تتيح فرصة للحوار
توصي الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال بأن يشاهد الآباء البرامج مع أطفالهم الصغار، وهي ممارسة تُعرف باسم «المشاهدة المشتركة».
وتتيح هذه الطريقة للوالدين متابعة ما يتعرض له الطفل، وشرح المواقف التي قد يصعب عليه فهمها، ومناقشة السلوكيات التي تظهر على الشاشة.
فعندما تعرض القصة خلافًا بين شخصيتين أو سلوكًا عدوانيًا، يمكن للوالدين توضيح بدائل أكثر إيجابية لحل المشكلة، أو مساعدة الطفل على فهم مشاعر الشخصيات ودوافعها.
وقالت مانيشا، إن الانتباه إلى ما يشاهده الأطفال فعليًا، والحديث معهم عن المحتوى الذي يتلقونه، أمران مهمان.
لكن الباحثين أقروا بأن المشاهدة المشتركة ليست سهلة دائمًا؛ إذ يلجأ بعض الآباء إلى الشاشات لأنهم يحتاجون إلى إنجاز مهام أخرى، وقد تجعل أعباء العمل والرعاية من الصعب الجلوس مع الطفل خلال كل برنامج.
كما لا تزال هناك حاجة إلى مزيد من البحث لفهم فوائد هذه الممارسة لدى الأسر منخفضة الدخل على نحو أفضل.
أدلة محدودة في عصر الهواتف والأجهزة اللوحية

تعتمد نسبة كبيرة من الأدلة التي راجعتها الدراسة على أبحاث التلفزيون، بما في ذلك دراسات أُجريت قبل الانتشار الواسع للهواتف الذكية والأجهزة اللوحية.
أما اليوم، فيستطيع الأطفال حمل أجهزتهم معهم، والتفاعل مع المحتوى، واختيار ما يشاهدونه في أوقات مختلفة من اليوم.
ولا تزال الأبحاث المتعلقة باستخدام الأطفال الصغار للأجهزة اللوحية والمساعدات الصوتية، مثل «أليكسا»، محدودة نسبيًا.
كذلك، لم تتجاوز التجارب العشوائية ثلاث دراسات من أصل 30 دراسة شملتها المراجعة، ولم يجرِ الباحثون تقييمًا رسميًا لجودة الدراسات.
واعتمدت أبحاث عديدة على عينات يغلب عليها الأطفال البيض، ما يحد من تمثيل مجتمعات أخرى ويصعب تعميم النتائج عليها.
ودعا الباحثون إلى دراسات جديدة تتابع استخدام الأطفال للأجهزة الحديثة، مع مراعاة الروتين الأسري والموارد المتاحة في الأحياء والمجتمعات التي يعيشون فيها.
ونُشرت المراجعة في مجلة «Journal of Evidence-Based Social Work»، وتخلص إلى أن فهم تأثير الشاشات في الطفولة يتطلب أكثر من حساب دقائق المشاهدة؛ إذ ينبغي النظر أيضًا إلى المحتوى، وعمر الطفل، والسياق الأسري، والفرص المتاحة للتعلم واللعب والتفاعل الاجتماعي.





