كيف يكشف نموذج جديد النقطة التي يتحول عندها الاحترار من محفّز للحياة إلى خطر قاتل؟
منحنى حراري واحد يحكم الحياة على الأرض.. اكتشاف علمي يكشف السر الخفي للكائنات
اكتشاف نمط حراري عالمي يساعد في توقع مخاطر تغيّر المناخ على الأنواع والأنظمة البيئية
كشف العلماء عن منحنى رياضي واحد يوضح كيف تشكل الحرارة مسار الحياة على الأرض، بدءًا من الخلايا المنقسمة وصولًا إلى الأنظمة البيئية الكاملة.
ويظهر هذا المنحنى من خلال أكثر من 30 ألف قياس لأداء حراري تم جمعها من نحو 2,700 نوع، حلّلها الباحثون باستخدام نموذج جديد متقدم.
وطوّر فريق دولي من الخبراء في إسبانيا وفرنسا وإيرلندا هذا النموذج بهدف فهم كيفية استجابة الحياة في عالم يزداد دفئًا.
وتساعد نتائج التحليل في تفسير السبب وراء أن ارتفاع الحرارة قد يعزز النشاط الحيوي حتى نقطة معينة، ثم يدفع الكائنات فجأة إلى مرحلة الإجهاد وربما الانهيار.
وقد نُشرت الدراسة في دورية “الإجراءات الوطنية للأكاديمية الأمريكية للعلوم“.

“منحنى الأداء الحراري العالمي”
واعتمدت الدراسات السابقة على ما يُعرف بمنحنى الأداء الحراري، وهو رسم بياني يبين كيفية تغيّر العمليات الحيوية مع ارتفاع درجة الحرارة، مثل معدل جري الحيوانات، أو نمو النباتات، أو تكاثر الميكروبات.
إلا أن الدراسة الجديدة تكشف أن هذه المنحنيات المتنوعة يمكن إعادة تحجيمها لتتطابق مع شكل واحد عالمي ينطبق على معظم أشكال الحياة.
وقد أطلق الباحثون على هذا النمط المشترك اسم “منحنى الأداء الحراري العالمي“، ويعاملونه كنموذج مرجعي لدراسة العديد من الخصائص.

قاد هذا العمل الباحث إجناسيو بيرالتا-مارافير من جامعة غرناطة الإسبانية، الذي يركز في أبحاثه على فهم كيفية تأثير الحرارة والمتغيرات البيئية الأخرى في الأنظمة المائية العذبة وشبكات الأنواع التي تعيش فيها.
وقال: “يمكن أن يصبح هذا النموذج معيارًا جديدًا في علم البيئة وفسيولوجيا الاحترار العالمي”، مشيرًا إلى أن المنحنى يوفر نقطة مرجعية موحدة لدراسة استجابات الكائنات للحرارة.
ولإنشاء هذا المنحنى العالمي، جمع الفريق قياسات أداء مستخلصة من تجارب على كائنات تشمل البكتيريا والبلانكتون والأشجار والحشرات، وكذلك الأسماك والزواحف والطيور والثدييات، ليغطي تقريبًا كل الفروع الأساسية للحياة النباتية والحيوانية.

ويعكس المنحنى نمطًا تصاعديًا يعتمد على التغير الأسي، حيث يزداد معدل الأداء بسرعة أكبر عند ارتفاع الحرارة.
ونظرًا لأن العديد من العمليات الحيوية تتبع هذه الوتيرة، تمكن الباحثون من تفسير سبب توافق مجموعات كبيرة من البيانات مع المنحنى نفسه.
وكانت أبحاث سابقة حول معدل الأيض – وهو السرعة التي تستخدم بها الكائنات الطاقة – قد لمّحت إلى إمكانية وجود هذا النوع من الوحدة في الطبيعة.
درجة الحرارة المثلى
وأظهرت الدراسات المتعلقة بمنحنيات الأداء الحراري أن الخصائص الحيوية قد تتحرك على طول المنحنى أو تغيّر شكلها تبعًا لظروف البيئة، إلا أن النمط العام غالبًا ما يبقى ثابتًا.
ويكشف المنحنى العالمي أن الأداء الحيوي يرتفع تدريجيًا مع زيادة الحرارة حتى الوصول إلى درجة الحرارة المثلى، التي يبلغ عندها النشاط ذروته. وبعد هذه النقطة، يمكن لارتفاع بسيط في الحرارة أن يؤدي إلى انخفاض حاد في الأداء، وقد يتسبب في الإجهاد أو الموت.
وتشير الدراسة إلى أن الكائنات التي تعيش في بيئات دافئة أصلًا تُعد أكثر عرضة لخطر ارتفاع الحرارة مستقبلًا، إذ إن درجاتها المثلى قريبة بالفعل من أقصى حدود التحمل.
وقد وجدت تقييمات عالمية حديثة أن العديد من الأنواع والأنظمة البيئية تتعرض لضغوط بسبب ارتفاع الحرارة بنحو درجتين فهرنهايت مقارنة بمستويات القرن التاسع عشر، وأن المخاطر تتزايد بسرعة مع كل ارتفاع إضافي.

مقارنة كيفية تعامل الأنواع المختلفة مع الحرارة والبرودة
وتبين تحليلات للطيور والثدييات أن الأنواع التي تعيش في مناطق ذات تقلبات حرارية طبيعية منخفضة تملك نطاقات ضيقة لتحمل الحرارة، خصوصًا الأنواع الاستوائية التي تُظهر حساسية شديدة لأنها تعيش قرب السقف الحراري لقدراتها.
ويوفّر المنحنى العالمي الآن معيارًا مشتركًا للباحثين لمقارنة كيفية تعامل الأنواع المختلفة مع الحرارة والبرودة.
كما يطرح تساؤلات حول قدرة بعض الأنواع على كسر هذا النمط، وما الخصائص الفريدة التي قد تساعدها على تحقيق ذلك.
ويمكن للعلماء تحليل مجموعات ضخمة من البيانات بحثًا عن الأنواع التي تؤدي أداءً أعلى أو أقل من المتوقع، أو التي تواصل النشاط بكفاءة حتى بعد تجاوز ذروة الحرارة المعتادة.

وقد تمتلك هذه الأنواع كيمياء خلوية مميزة، أو استجابات سلوكية قوية، أو تراكيب جسمية تساعدها على الصمود أمام الحرارة الشديدة.

تحديد الأنواع أو الموائل التي قد تعبر سريعًا من مرحلة الأمان إلى مرحلة الخطر
ويمكن لجهات الحماية ومديري الموارد إدراج هذا المنحنى في النماذج التي تتوقع النمو السكاني، أو الهجرة، أو معدلات النفوق تحت سيناريوهات مختلفة للاحترار.
ومع توفر بيانات كافية عن الخصائص الحيوية، يمكن تحديد الأنواع أو الموائل التي قد تعبر سريعًا من مرحلة الأمان إلى مرحلة الخطر مع بضع درجات فقط من الارتفاع الحراري.
ورغم أن هذا النمط لا يلغي عدم اليقين، فإنه يقدم طريقة أبسط لربط العمليات التي تحدث على مستوى الجزيئات وصولًا إلى الأنظمة البيئية في ظل تغير المناخ، موضحًا إلى أي مدى يمكن للكوكب أن يسخن قبل أن تصل الطبيعة إلى حدودها القصوى.





