كيف يؤدي تلوث الهواء إلى الإصابة بمرض الزهايمر وأمراض الدماغ
ارتباط قوي بين تلوث الهواء وأمراض الدماغ المختلفة كالزهايمر والتوحد
يعد مرض الزهايمر من بين التهديدات الصحية العديدة المرتبطة بتلوث الهواء – وهو قاتل دائم الوجود وغير مرئي في كثير من الأحيان ويودي بحياة ما يصل إلى سبعة ملايين شخص قبل الأوان كل عام.
لا تضر هذه الجزيئات القاتلة بالرئتين والقلب فحسب؛ بل إن آثارها تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، حيث تتسلل إلى الدماغ وتساهم في الاضطرابات العصبية.
وأكدت دراسة جديدة أجراها معهد سكريبس للأبحاث وجود ارتباط قوي بين تلوث الهواء وأمراض الدماغ المختلفة، بما في ذلك الزهايمر والتوحد.

كشف آثار تلوث الهواء
نجح الباحثون في كشف العلاقة المعقدة بين نشاط الخلايا الدماغية والتعديل الكيميائي الذي قد يحدث نتيجة لمجموعة من العوامل.
وتشمل هذه العوامل الالتهاب، والشيخوخة، والملوثات البيئية المرتبطة بتلوث الهواء، والمبيدات الحشرية، والأغذية المصنعة، والدخان الناجم عن حرائق الغابات.
ووجد الخبراء أن هذا التعديل الكيميائي، المعروف باسم S-nitrosylation، يتداخل مع الوظيفة الطبيعية لخلايا المخ، وبشكل خاص، يمنع خلايا المخ من تكوين اتصالات جديدة، مما يؤدي في النهاية إلى موت الخلايا.

أمل جديد لعلاج الزهايمر
ويقدم البحث، الذي نُشر في فبراير 2025، كشفًا ثوريًا، أظهر التدخل في النترتة S في بروتين الدماغ المحوري علامات واضحة لعكس أعراض فقدان الذاكرة في نماذج الفئران المصابة بالزهايمر والخلايا العصبية المشتقة من الإنسان.
كما أشار ستيوارت ليبتون، المؤلف الرئيسي للدراسة “لقد كشفنا عن التفاصيل الجزيئية لكيفية مساهمة الملوثات في فقدان الذاكرة والأمراض العصبية التنكسية، وقد يؤدي هذا في النهاية إلى تطوير أدوية جديدة تمنع هذه التأثيرات لعلاج مرض الزهايمر بشكل أفضل”.
ليبتون، الذي يعمل كطبيب أعصاب سريري ويشغل كرسي مؤسسة ستيب فاميلي في معهد سكريبس للأبحاث، كان أول من اكتشف النترتة S منذ أكثر من عقدين من الزمن.
وأوضح أن هذه العملية الكيميائية تحدث عندما يتحد جزيء مرتبط بأكسيد النيتريك مع ذرات الكبريت داخل البروتينات لتكوين “أكسيد النيتريك”، مما يغير من وظائفها. ويؤدي هذا إلى ما وصفه ليبتون بـ “عاصفة أكسيد النيتريك” في الدماغ.
يحدث تراكم أكسيد النيتريك بشكل طبيعي في الجسم ويتم إنتاجه استجابة للالتهاب أو التحفيز الكهربائي.
ومع ذلك، يمكن أيضًا تكوين أكسيد النيتروجين بشكل مفرط بسبب المواد الجزيئية الصغيرة والمركبات المرتبطة بالنترات الموجودة في أو الناتجة عن تلوث الهواء، أو دخان حرائق الغابات، أو المبيدات الحشرية، أو اللحوم المصنعة.

دور البروتينات في الدماغ
وفي دراستهم الأخيرة، قام الباحثون بفحص أعمق لتأثير النترتة S على بروتين يعرف باسم CRTC1.
يلعب هذا البروتين دورًا مهمًا في التحكم في الجينات المسؤولة عن إنشاء واستدامة الاتصالات بين خلايا المخ – وهو أمر ضروري لعملية التعلم والاحتفاظ بالذاكرة طويلة المدى .
وأكد البحث أن زيادة أكسيد النيتريك تؤدي إلى نتروزيلة S لبروتين CRTC1، مما يمنع البروتين من الارتباط ببروتين دماغي حيوي آخر، وهو CREB.
ويؤدي هذا الاضطراب إلى إعاقة تحفيز الجينات الأخرى الضرورية لتكوين الاتصالات العصبية.

هدف جديد للوقاية من مرض الزهايمر
وبعد هذه الاكتشافات، ذهب الفريق إلى خطوة أبعد وقاموا بتصميم نسخة من CRTC1 وراثيًا مقاومة للنترتة S.
وعند إدخالها إلى الخلايا العصبية البشرية المشتقة من الخلايا الجذعية لمرضى الزهايمر، أظهرت هذه النسخة المعدلة إمكانات واعدة.
تم منع أعراض مرض الزهايمر، بما في ذلك تدهور الترابط بين الخلايا العصبية وانخفاض معدلات بقاء الخلايا العصبية.
في نماذج الفئران المصابة بالزهايمر، أعادت هذه النسخة المعاد هندستها من CRTC1 تنشيط الجينات الحيوية لتكوين الذاكرة والمرونة المشبكية – مما عزز قدرة الدماغ على تعزيز الاتصالات العصبية.
عكس آثار تلوث الهواء
تقدم هذه النتائج رؤى حاسمة حول كيفية مساهمة السموم التي نتنفسها من بيئتنا، وخاصة تلوث المركبات ودخان حرائق الغابات، في تسريع شيخوخة الدماغ ومرض الزهايمر من خلال النترتة S.
وقال ليبتون “إننا نستطيع أن ننقذ بشكل شبه كامل المسارات الجزيئية التي تشارك في تكوين ذكريات جديدة، وهذا يشير إلى أن هذا هدف يمكن علاجه ويمكن أن يحدث فرقًا حقيقيًا في علاج مرض الزهايمر وأمراض عصبية أخرى محتملة”.
وتسلط الدراسة الضوء على السبب الذي يجعل خطر الإصابة بالزهايمر يرتفع مع تقدم العمر، فمع تقدم العمر، تضعف دفاعات الجسم المضادة للأكسدة، مما يؤدي إلى زيادة الالتهاب وارتفاع مستويات أكسيد النيتريك؛ وهذا يجعل البروتينات أكثر عرضة لتفاعلات النترتة الضارة.
وقد كشف البحث عن الدمار الصامت الذي تسببه النترتة S في عدد لا يحصى من البروتينات في جميع أنحاء أجسامنا.
واختتم ليبتون حديثه قائلاً: “لقد تعلمنا أن النترتة S تؤثر على العديد من البروتينات في جميع أنحاء الجسم، ولكن عكس بعض هذه التغييرات – مثل تلك الموجودة على CRTC1 – يمكن أن يكون له تأثير كبير على وظيفة الذاكرة”.
ونشرت الدراسة كاملة في مجلة وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم .





