قفاز ذكي يحول البيانات إلى حرارة ولمس لفهم المشاعر والصحة بطريقة غير مسبوقة
ابتكار جديد يجعل البيانات محسوسة.. قفاز ينقل المعلومات عبر اللمس والحرارة
قفاز ذكي يحول البيانات إلى حرارة ولمس ويمنح المستخدمين طريقة جديدة لفهم المعلومات
في خطوة مبتكرة تمزج بين التكنولوجيا والإحساس البشري، طور باحثون من جامعة أديلايد الأسترالية قفازًا ذكيًا قابلًا للارتداء يحول البيانات الرقمية إلى أحاسيس ملموسة يمكن الشعور بها عبر اللمس والحرارة، ما يفتح آفاقًا جديدة لفهم المعلومات بطريقة أكثر إنسانية وشخصية.
ويحمل النموذج الأولي الجديد اسم “ThermoPhy“، وقد تم تطويره ضمن برنامج تدريب بحثي عن بُعد ينظمه المركز الأسترالي لبيئات التفاعل والواقع الافتراضي بجامعة أديلايد.
ويهدف المشروع إلى إعادة تصور الطريقة التي يتفاعل بها البشر مع البيانات، بحيث لا تقتصر على الأرقام والرسوم البيانية المعروضة على الشاشات، بل تمتد إلى التجربة الحسية المباشرة.
من مشاهدة البيانات إلى الشعور بها
في الوقت الحالي تُعرض معظم البيانات في صورة رسوم بيانية وجداول وأرقام على شاشات الحواسيب والهواتف الذكية. ورغم فاعلية هذه الوسائل في نقل المعلومات، فإنها غالبًا ما تجعل البيانات تبدو مجردة وبعيدة عن التجربة الإنسانية اليومية.
ولهذا سعى الباحثون إلى تطوير وسيلة تجعل البيانات أكثر قربًا من المستخدم، بحيث يتمكن من “الشعور” بالمعلومات بدلًا من مجرد قراءتها أو مشاهدتها.
وأوضح الدكتور آدم دروجيمولر، المحاضر في جامعة أديلايد والمشرف على المشروع، أن الفكرة الأساسية كانت استكشاف إمكانية تحويل البيانات إلى تجربة حسية تعتمد على الإحساس الجسدي، وخاصة الحرارة.
وقال إن معظم البيانات اليوم تُقدَّم من خلال الشاشات، بينما يهدف المشروع إلى اختبار ما إذا كان بالإمكان عيش البيانات بطريقة أكثر شخصية وتجسيدًا عبر الأحاسيس الفيزيائية.

طبقتان لنقل المعلومات
يتميز القفاز الذكي بوجود نظامين متكاملين لعرض البيانات، فعلى السطح الخارجي للقفاز يمكن تثبيت عناصر صغيرة مطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد، تمثل أشكالًا مألوفة من الرسوم البيانية مثل الأعمدة البيانية والخطوط البيانية والخرائط الحرارية.
وتسمح هذه العناصر بتحويل البيانات إلى أشكال مادية يمكن رؤيتها ولمسها من قبل الآخرين.
أما داخل القفاز فتوجد عناصر تسخين دقيقة للغاية ملتفة حول أصابع المستخدم، تعمل على توليد درجات حرارة مختلفة يتم التحكم فيها بدقة.
وتوفر هذه العناصر طبقة ثانية من المعلومات لا يمكن إدراكها إلا من قبل الشخص الذي يرتدي القفاز، ما يخلق تجربة خاصة وشخصية للغاية.
الحرارة كلغة جديدة للبيانات
يرى الباحثون، أن الحرارة تمتلك ميزة فريدة مقارنة بالوسائل التقليدية لعرض المعلومات.
فعلى عكس البيانات المعروضة على الشاشة، تبقى الإشارات الحرارية خاصة بالمستخدم الذي يرتدي الجهاز، ما يجعلها مناسبة للتعبير عن المعلومات الحساسة أو المشاعر الشخصية.
ويمكن استخدام الحرارة لتمثيل حالات مثل التوتر أو السعادة أو الراحة أو الإرهاق، بحيث تصبح البيانات أقرب إلى التجربة الحقيقية التي يعيشها الإنسان.
فعلى سبيل المثال يمكن للقفاز أن يعرض عدد ساعات النوم التي حصل عليها المستخدم عبر أعمدة ثلاثية الأبعاد، بينما تعكس درجة الحرارة حالته المزاجية عند الاستيقاظ.
وفي مثال آخر يمكن استخدامه لتوضيح مدى الازدحام أو الضغط النفسي داخل بيئة العمل أو الدراسة، حيث تشير درجات الحرارة الأعلى إلى شعور أكبر بعدم الراحة أو التوتر.

تعزيز التعاطف بين الناس
إحدى الأفكار التي يطرحها الباحثون تتمثل في استخدام القفاز كوسيلة لتعزيز التعاطف والفهم المتبادل بين الأشخاص.
فيمكن لطالب جامعي مثلًا استخدام القفاز لعرض نتائجه الدراسية على مدى عدة فصول دراسية من خلال العناصر المرئية المثبتة على القفاز.
وفي الوقت نفسه يستطيع أصدقاؤه ارتداء القفاز والشعور بدرجات التوتر أو الضغوط التي رافقت تلك النتائج عبر الإشارات الحرارية.
ويرى الفريق أن هذه التجربة قد تساعد الآخرين على فهم المشاعر والتحديات المرتبطة بالبيانات بطريقة أعمق من مجرد قراءة الأرقام أو مشاهدة الرسوم البيانية.
البيانات الإنسانية
تندرج هذه الدراسة ضمن توجه بحثي متنامٍ يعرف باسم “الإنسانية الرقمية للبيانات” أو Data Humanism، والذي يسعى إلى جعل البيانات أكثر ارتباطًا بالإنسان ومشاعره وتجربته اليومية.
وتوضح الباحثة شياوجياو “ليلي” دو أن البيانات غالبًا ما تتحول إلى عناصر مجردة ومنفصلة عن حياة الناس، بينما يركز هذا التوجه على إعادة دمج العنصر الإنساني في عملية فهم المعلومات من خلال التفاعل الجسدي والتأمل والسرد القصصي.
تكلفة منخفضة وإمكانات واسعة
من المزايا المهمة للقفاز الجديد انخفاض تكلفته نسبيًا، إذ لا تتجاوز تكلفة المكونات الإلكترونية المستخدمة في النموذج الأولي نحو 28 دولارًا أستراليًا فقط.
ويجعل ذلك من السهل إعادة إنتاج الجهاز واستخدامه في المزيد من الدراسات والتجارب المستقبلية دون الحاجة إلى استثمارات كبيرة.
ورغم أن التقنية ما زالت في مراحلها الأولى، فإن الباحثين يرون أنها تمثل بداية مجال جديد يجمع بين الأجهزة القابلة للارتداء والواجهات متعددة الحواس وتقنيات تجسيد البيانات.
مستقبل فهم الصحة والمشاعر
يخطط الفريق البحثي في المرحلة المقبلة لدراسة كيفية استجابة المستخدمين لدرجات الحرارة المختلفة، وتأثير الإشارات الحرارية على تفسير المعلومات واتخاذ القرارات.
كما يسعى الباحثون إلى دمج التقنية مع أدوات ناشئة مثل الواقع المعزز، ما قد يخلق بيئات تفاعلية تسمح بدمج الرؤية واللمس والحرارة في تجربة واحدة.
ويعتقد العلماء أن الأجهزة المشابهة لقفاز ThermoPhy قد تساعد مستقبلًا الأشخاص على فهم صحتهم النفسية والجسدية وتجاربهم الشخصية بصورة أكثر عمقًا، ليس من خلال النظر إلى البيانات فقط، بل عبر الإحساس بها بشكل مباشر.
ويمثل هذا الابتكار خطوة جديدة نحو عالم تصبح فيه البيانات جزءًا من التجربة الإنسانية اليومية، حيث تتحول الأرقام والرسوم البيانية من معلومات صامتة إلى أحاسيس يمكن لمسها والشعور بها.





