اختيار أسلوب حياة يخفف الضغط على كوكب الأرض لم يعد مهمة يسيرة.
فقد تمكن باحثون من جامعة الدنمارك التقنية (DTU) من حساب أثر طيف واسع من الأنشطة اليومية، في محاولة لمساعدة المستهلكين على اتخاذ خيارات تقلل من بصمتهم البيئية.
تكشف الدراسة أن متوسط استهلاك الفرد في الدنمارك يفوق بكثير قدرة الكوكب على الاحتمال.
فلو عاش جميع سكان العالم مثل المواطن الدنماركي العادي، لاحتجنا إلى أكثر من أربعة كواكب لتلبية احتياجاتنا.
لكن الانتقال إلى نمط حياة يتوافق مع الحدود التي يستطيع الكوكب تحملها ليس أمرًا سهلًا، حتى بالنسبة لمن لديهم الرغبة الحقيقية في التغيير.
يقول الباحث تيدي سيرانو، الحاصل على الدكتوراه في DTU: “المشكلة أن الناس يجدون صعوبة في التمييز بين ما هو أفضل للبيئة وما هو كافٍ بالفعل.
فالحصول على 3 من 10 أفضل من 2، لكنه ما زال تقديرًا سيئًا. والسؤال هو: متى يمكن أن نقول إن النتيجة جيدة بما يكفي؟”
وللإجابة عن هذا السؤال، أجرى سيرانو وخمسة من زملائه دراسة شاملة تمنح المستهلكين رؤية واضحة عن كيفية تأثير خياراتهم في مجالات الغذاء والاستهلاك والسكن والتنقل على البيئة، وإلى أي مدى يمكن لهذه الخيارات أن تساعد في تقليل الضغوط الواقعة على الطبيعة.
أداة للقياس البيئي
حدد الباحثون أولًا ما اعتبروه “بصمة مقبولة” لكل فرد ضمن ستة مجالات بيئية مستوحاة من إطار “حدود الكوكب” (Planetary Boundaries).
ثم قارنوا هذه الحدود بالأنشطة اليومية، مثل النظام الغذائي، أو حجم المسكن، أو نوع وسيلة النقل.
الهدف كان إظهار مقدار ما يستهلكه كل خيار من “ميزانية الفرد البيئية” السنوية.
يشرح سيرانو ذلك قائلًا: “الأمر أشبه ببطاقة القيم الغذائية على المنتجات.
فهي لا تكتفي بإظهار كمية البروتين أو السكر، بل توضح أيضًا الكمية المسموح تناولها للحفاظ على الصحة. نحن نحاول فعل الأمر ذاته، لكن مع كوكب الأرض.”
نتائج صادمة
أظهرت الدراسة أن بعض الأنشطة وحدها تكفي لتجاوز الميزانية البيئية السنوية للفرد.
فعلى سبيل المثال، اتباع نظام غذائي يعتمد على اللحوم يتسبب في تجاوز الحدود في ثلاث فئات رئيسية:
- التنوع البيولوجي الوظيفي بنسبة 384%،
- التغير المناخي بنسبة 101%،
- استخدام الأراضي بنسبة 149%.
في المقابل، يقل التأثير بدرجة ملحوظة عند التحول إلى النظام النباتي (33% من ميزانية المناخ) أو النباتي الصرف (22%).
أما في مجال التنقل، فقيادة سيارة تقليدية لمسافة 28 كيلومترًا يوميًا كافية لتجاوز ميزانية المناخ بالكامل (129% في حالة البنزين و110% في حالة الديزل).
التحول إلى سيارة كهربائية يخفض الأثر إلى 50%، لكنه يرفع الضغط على الموارد بسبب البطارية.
بينما الاعتماد على الدراجة الكهربائية لمسافة 22 كيلومترًا يوميًا لا يستهلك سوى 5% فقط من الميزانية.
تغييرات كبرى لا بد منها
تؤكد الدراسة أن التغيير الحقيقي يتطلب تعديلات جذرية في أنماط الحياة.
لكن المفاجئ أن بعض السلوكيات التي يظن المستهلكون أنها مهمة لا تحدث إلا تأثيرًا ضئيلًا.
لذلك، يأمل الباحثون أن تساعد نتائجهم الأفراد على توجيه جهودهم نحو الخيارات الأكثر فعالية.
ويقول سيرانو: “نريد أن نوضح للناس أين يكمن التأثير الحقيقي.”
قاعدة الـ 4P
اقترح الباحثون قاعدة عملية لتبسيط الخيارات الأكثر أهمية تحت اسم “4P”:
• Planes (الطائرات): رحلة ذهاب وعودة من كوبنهاغن إلى نيويورك تستهلك نحو 75% من الميزانية المناخية السنوية للفرد.
• Places (المساكن): كلما صغر حجم المسكن، قل استهلاك مواد البناء والطاقة اللازمة للتدفئة والتبريد.
• Plates (الأطباق): التحول إلى الغذاء النباتي يخفّض البصمة البيئية بشكل كبير.
• Pedals (الدواسات): جعل الدراجة وسيلة التنقل الأولى يحرر مساحة واسعة ضمن الميزانية البيئية.
عن الدراسة
أجريت الدراسة على 23 نشاطًا شائعًا مثل الطعام، التدفئة، الملابس، والسفر، وقيست آثارها على ستة مجالات بيئية:
- التنوع البيولوجي الوظيفي
- التغير المناخي
- استخدام الأراضي
- الإثراء الغذائي البحري
- استهلاك الموارد
- استهلاك المياه
الحسابات شملت دورة الحياة الكاملة لكل نشاط، بدءًا من إنتاج السيارة مثلًا وحتى التخلص منها، مرورًا بالانبعاثات وأثر التآكل على الطرق.
واعتمد الباحثون على توقعات الأمم المتحدة لعدد سكان العالم عام 2050، بهدف تقديم رؤية مستقبلية لكيفية ضرورة تعديل أنماط الحياة خلال السنوات المقبلة.
ورغم أن الدراسة لم تأخذ في الاعتبار التطورات التكنولوجية المحتملة التي قد تقلل من الأثر البيئي، فإنها تمنح المستهلكين خريطة طريق عملية لمعرفة أي القرارات اليومية تحدث الفرق الأكبر.
