
كشف تقرير حديث عن فجوة واسعة بين إدراك شركات الغذاء العالمية لحجم أزمة تغير المناخ وبين الإجراءات الفعلية للحد من أحد أخطر الغازات المسببة للاحتباس الحراري، وهو غاز الميثان، الذي يشكل أحد المحركات الرئيسية لارتفاع درجات الحرارة عالميًا خلال العقود الأخيرة.
وبحسب تحليل صادر عن مؤسسة Changing Markets Foundation، فإن 91% من كبرى شركات الألبان والقهوة في أوروبا وأمريكا الشمالية تُقر بوجود علاقة مباشرة بين تربية الماشية وتغير المناخ، إلا أن الغالبية العظمى منها لم تضع حتى الآن أهدافًا واضحة أو مُعلنة لخفض انبعاثات الميثان.
وشمل التحليل 23 شركة كبرى في القطاع، لم يتقدم منها سوى ثلاث شركات فقط بوضع أهداف رسمية لخفض انبعاثات الميثان، وهي: Danone وGeneral Mills وFrieslandCampina، ما يعكس محدودية الاستجابة المؤسسية رغم تصاعد الضغوط البيئية والتنظيمية.
فجوة كبيرة بين الالتزام والتطبيق
ويُظهر التقرير أن شركة Danone هي الوحيدة التي تتماشى أهدافها مع مبادرة الميثان العالمية، التي تستهدف خفض الانبعاثات بنسبة 30% بحلول نهاية العقد الحالي.
بينما اعتمدت شركتا General Mills وFrieslandCampina على أهداف أوسع تتعلق بانبعاثات قطاع الألبان بشكل عام حتى عام 2030.
كما حصلت Danone على أعلى تقييم في التصنيف بواقع 75.5 نقطة من أصل 108، تلتها General Mills بـ74.5 نقطة، ثم Starbucks بـ65 نقطة، في حين جاءت شركات كبرى أخرى في مراتب متأخرة بسبب ضعف الإفصاح البيئي أو غيابه بالكامل.
الميثان.. خطر مناخي “قصير العمر شديد التأثير”
يُعد الميثان من الغازات الدفيئة شديدة التأثير رغم قصر عمره النسبي في الغلاف الجوي مقارنة بثاني أكسيد الكربون، إذ تشير الدراسات إلى أنه مسؤول عن نحو 0.5 درجة مئوية من الاحترار العالمي الحالي، كما أنه أقوى من ثاني أكسيد الكربون بنحو 86 مرة خلال فترة 20 عامًا.
ولا يقتصر تأثيره على المناخ فقط، بل يرتبط أيضًا بتلوث الهواء عبر تكوين الأوزون الأرضي، الذي يُقدَّر أنه يتسبب في نحو مليون حالة وفاة مبكرة سنويًا.
ويُعتبر قطاع الزراعة المصدر الأكبر لانبعاثات الميثان البشرية، حيث تمثل تربية الماشية النسبة الأكبر من هذه الانبعاثات، نتيجة عملية الهضم المعروفة باسم “التخمير المعوي” لدى الأبقار، والتي تؤدي إلى إطلاق الغاز بشكل طبيعي خلال عمليات التجشؤ والتخلص من الغازات.
الألبان في قلب الأزمة المناخية
تشير بيانات التقرير إلى أن صناعة الألبان وحدها مسؤولة عن نحو 8% من إجمالي انبعاثات الميثان عالميًا، فيما يمثل هذا الغاز ما بين 25% إلى 80% من إجمالي الانبعاثات في قطاع الإنتاج الحيواني.
كما كشف التحليل أن أكبر 52 شركة لإنتاج اللحوم والألبان حول العالم تُطلق ما يقارب 22 مليون طن من الميثان سنويًا، وهو ما يعادل الانبعاثات التي قد تصدر عن خامس أكبر دولة ملوِّثة في العالم، إذا ما تم تصنيف هذه الشركات ككيان واحد.
تباين واضح بين الشركات
أظهر التقرير تفاوتًا كبيرًا في مستوى الشفافية والأداء المناخي بين الشركات، حيث:
قامت 8 شركات فقط بالإفصاح عن بيانات انبعاثات الميثان.
لم تفصح 15 شركة عن أي بيانات حديثة تتعلق بانبعاثاتها خلال 2024 أو 2025.
سجلت شركات مثل Nestlé وDanone وBel Group بعض التخفيضات المعلنة في الانبعاثات.
بينما حصلت شركات أخرى مثل Dunkin’ وCosta على تقييمات منخفضة جدًا بسبب غياب الأهداف والشفافية.
وسجلت Danone انخفاضًا ملحوظًا في انبعاثات الميثان بنحو 30% من الحليب الطازج، إضافة إلى تراجع آخر في سلاسل التوريد بنسبة تتجاوز 17%، وهو ما يضعها على مسار تحقيق أهدافها المناخية قبل موعدها المحدد بخمس سنوات.
“تحالفات المناخ” وتأثيرها المحدود
يشير التقرير إلى أن الشركات المنضوية ضمن “تحالف العمل على الميثان في الألبان” حققت أداءً أفضل من غيرها، حيث تضاعفت درجاتها تقريبًا مقارنة بالشركات غير المشاركة في التحالف.
لكن رغم ذلك، لا تزال بعض الشركات الكبرى خارج هذه المبادرات أو انسحبت منها دون تفسير واضح، ما يثير تساؤلات حول جدية الالتزام المؤسسي بمكافحة تغير المناخ داخل سلاسل الغذاء العالمية.
ضغط تشريعي متصاعد
يتوقع التقرير أن تشهد الفترة المقبلة تغيرًا كبيرًا في مستوى الإفصاح البيئي، مدفوعًا بتشريعات جديدة مثل توجيهات الاتحاد الأوروبي لإعداد تقارير الاستدامة المؤسسية (CSRD)، والتي ستفرض على الشركات الإفصاح بشكل أكثر تفصيلًا عن انبعاثات الميثان ضمن معايير شفافية أشد صرامة.
كما تتجه دول أخرى، بينها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، نحو سياسات مماثلة، في إطار جهود أوسع لخفض الانبعاثات العالمية وتحقيق أهداف اتفاق باريس للمناخ.
بين التقدم البطيء وحتمية التحول
رغم الاعتراف الواسع من شركات الغذاء بخطورة الميثان، إلا أن التقرير يخلص إلى أن التحرك الفعلي لا يزال محدودًا ومتفاوتًا، مع وجود فجوة واضحة بين الخطاب البيئي والالتزام العملي.
ويحذر الباحثون من أن استمرار هذا البطء في الاستجابة قد يجعل أهداف “الميثان العالمي” غير قابلة للتحقيق دون تغيير جذري في قطاع الزراعة والإنتاج الحيواني، الذي يمثل المصدر الأكبر لهذا الغاز.
