غياب الرقابة في أوقات الفراغ يرفع مخاطر الجنوح بين المراهقين حسب دراسة شملت 21 دولة
من الشارع إلى الإنترنت.. كيف يرتبط الفراغ غير المنظم بسلوك المراهقين العنيف؟
الرقابة الأسرية وتنظيم وقت الفراغ.. كيف يكشف غياب المتابعة بوابة انحراف المراهقين؟
كشفت دراسة دولية واسعة شملت أكثر من 58 ألف مراهق في 21 دولة أن غياب الرقابة أثناء أوقات الفراغ قد يرتبط بزيادة فرص انخراط المراهقين في السلوكيات المنحرفة والتعرض للعنف، لتسلط الضوء على دور البيئة المحيطة بالشباب، وليس فقط خصائصهم الفردية، في تشكيل السلوك الإجرامي.
واعتمد الباحثون على بيانات دراسة الانحراف الذاتي الدولية (ISRD)، وهي دراسة متعددة الدول تستند إلى استبيانات مجهولة يجيب عنها المراهقون بأنفسهم، بهدف رصد مشاركتهم في الجرائم وتعرضهم للعنف، سواء كضحايا أو مرتكبين.

غياب الرقابة أهم من مجرد “وقت الفراغ”
القوة الأساسية في الدراسة تكمن في أنها لا تتعامل مع وقت الفراغ باعتباره مشكلة في حد ذاته، وإنما تركز على كيفية قضاء هذا الوقت وما إذا كان يخضع لإشراف البالغين أو يرتبط بأنشطة منظمة.
وعرّف الباحثون “وقت الفراغ غير المنظم” بأنه الفترات التي يقرر فيها المراهقون بأنفسهم ما يفعلونه، من دون رقابة من البالغين أو مشاركة في أنشطة تعليمية أو ثقافية أو رياضية منظمة.
وينقسم هذا الوقت إلى نمطين رئيسيين: وقت غير منظم داخل المنزل، يرتبط بصورة خاصة باستخدام الإنترنت، ووقت خارج المنزل، مثل قضاء ساعات طويلة في الشوارع والأحياء والأماكن العامة من دون إشراف.
وتشير النتائج إلى أن هذا النوع من الفراغ قد يضع المراهق أمام فرص أكبر للاحتكاك بأقران منحرفين أو الدخول في مواقف مرتبطة بالعنف والجريمة.
الأصدقاء المنحرفون في المقدمة.. والرقابة بعدهم

ومن أبرز نتائج الدراسة أن الارتباط بأقران منخرطين في السلوك المنحرف كان أقوى مؤشر على مشاركة المراهقين في الجريمة.
لكن المثير للاهتمام أن وقت الفراغ غير المنظم جاء في المرتبة الثانية كعامل تفسيري مهم عبر الثقافات المختلفة، إذ ظهر ارتباطه بالسلوك الإجرامي والتعرض للعنف في الدول التي شملها البحث.
وهنا تظهر أهمية الرقابة الأسرية والاجتماعية؛ فالمشكلة لا تكمن فقط في أن المراهق لديه ساعات فراغ، وإنما في أن هذه الساعات قد تمر دون توجيه أو متابعة أو وجود بدائل إيجابية.
وتحذر الدراسة بصورة خاصة من اجتماع عاملين: الوقت غير المنظم + الأصدقاء المنخرطون في الانحراف، إذ يمثلان تركيبة أكثر خطورة بالنسبة للمراهق.
الدراسة تكشف الانحراف بعيدًا عن سجلات الشرطة
ومن نقاط القوة الأخرى في البحث أن الباحثين لم يعتمدوا فقط على سجلات الشرطة أو المؤسسات الرسمية لقياس انحراف المراهقين.
بل استخدموا أسلوب “الانحراف المُبلّغ عنه ذاتيًا”، حيث يجيب المراهقون بشكل مجهول عن أسئلة تتعلق بسلوكياتهم، مثل الدخول إلى متجر وأخذ سلعة دون دفع ثمنها.
ويرى الباحثون أن هذه الطريقة تساعد في الكشف عن سلوكيات قد لا تصل أصلًا إلى الأجهزة الأمنية، وبالتالي تقدم صورة أوسع عن الانحراف الفعلي بين المراهقين، وليس فقط الحالات التي تمكنت الشرطة أو المؤسسات من اكتشافها.
كما شملت الدراسة أسئلة حول تعرض المراهقين للعنف والتمييز، سواء في الواقع أو عبر الإنترنت.

الرقابة الرقمية.. الحلقة الجديدة في المشكلة
وتكتسب النتائج أهمية إضافية مع انتقال جزء كبير من حياة المراهقين إلى الإنترنت.
فالدراسة تشير إلى أن الرقابة الأسرية التي كانت أكثر حضورًا في الحياة الواقعية قد تصبح أكثر تعقيدًا في البيئة الرقمية، حيث يستطيع المراهق قضاء ساعات طويلة بمفرده أمام الشاشات والتفاعل مع محتوى أو مجموعات أو سلوكيات لا يراها الوالدان بالضرورة.
كما لاحظ الباحثون زيادة في مشاركة الفتيات في بعض المخالفات الإلكترونية، خصوصًا السلوكيات المرتبطة بالمظهر الجسدي للآخرين، وهو ما قد يعكس تغير طبيعة الرقابة الأسرية عندما تنتقل العلاقات الاجتماعية إلى الفضاء الرقمي.
انخفاض وقت الفراغ غير المنظم قد يخفض الانحراف
وتقدم الدراسة رقمًا لافتًا في هذا السياق؛ إذ وجدت أن خفض وقت الفراغ غير المنظم خارج المنزل بنسبة 20% ارتبط بانخفاض انتشار ارتكاب المخالفات بنسبة 9.6%، وانخفاض معدل وقوع المخالفات بنسبة 7.4% في العينة الإجمالية.
لكن الباحثين لا يعتبرون هذه النتيجة دليلًا على أن تقليص وقت الفراغ وحده يمنع الجريمة، بل يرون أن نوعية البدائل المقدمة للمراهقين تمثل عنصرًا أساسيًا.
فملء الوقت بأي نشاط ليس بالضرورة حلًا؛ الأهم هو توفير أنشطة رياضية وثقافية وترفيهية وتعليمية جذابة، تحت إشراف بالغين أو متخصصين، وتمنح المراهق إحساسًا بالانتماء والمشاركة.
الخلاصة: المشكلة ليست في الفراغ.. بل في غياب الرقابة والبديل
تكشف الدراسة أن التعامل مع انحراف المراهقين لا ينبغي أن يقتصر على تشديد العقوبات أو مراقبة من يصلون بالفعل إلى مؤسسات الشرطة.
فالوقاية تبدأ في مساحة أكثر يومية: من يراقب المراهق؟ أين يقضي وقته؟ مع من؟ وماذا يفعل عندما لا يكون في المدرسة؟
وبهذا المعنى، تقدم الدراسة منظورًا أكثر تعقيدًا من فكرة أن “المراهق الذي لديه وقت فراغ يصبح منحرفًا”، إذ تشير إلى أن غياب الإشراف، وغياب الأنشطة المنظمة، والاختلاط بأقران منحرفين، والتعرض غير المُراقب للبيئات الرقمية، قد تتفاعل معًا لتوفير فرص أكبر للسلوك المنحرف والعنف.
والرسالة الأهم لصانعي السياسات والأسر هي أن الرقابة وحدها ليست كافية، كما أن حرية المراهق وحدها ليست المشكلة؛ المطلوب هو إيجاد بيئة تجمع بين المتابعة، والبدائل الجذابة، والاندماج الاجتماعي، والتربية الرقمية.
التاجات





