غسيل الملابس يدويًا أخطر على البيئة.. مصدر خفي لتلوث البلاستيك الدقيق يهدد الفقراء
بحث يكشف: مياه الغسيل المالحة تزيد الألياف البلاستيكية الدقيقة
لاحظ باحثون في كلية الهندسة بجامعة تورنتو، أن غسل الأقمشة الصناعية يدويًا في ماء يحتوي على نسبة أعلى من المواد الصلبة الذائبة الكلية (TDS) يؤدي إلى إطلاق المزيد من الألياف البلاستيكية الدقيقة (MPF)، مما يخلق آثارًا سلبية على مليارات الأشخاص الذين لا يستطيعون الوصول إلى المياه العذبة أو الغسالات.
وتناولت الدراسة، التي نُشرت في مجلة «التقارير العلمية»، الأقمشة المصنوعة من البوليستر وكيفية أدائها عند غسلها يدويًا في أنواع مختلفة من المياه.
وقد جرى تغطية بعض الأقمشة بطبقة أساسها السيليكون تهدف إلى تقليل إطلاق الألياف البلاستيكية الدقيقة، إلا أن الباحثين وجدوا أن فعالية هذا الطلاء تختلف وفقًا لظروف الغسيل.
الألياف الصناعية ثلثي إنتاج المنسوجات عالميًا
وبحسب تقرير صادر عن مؤسسة «الأسواق المتغيرة»، فإن الألياف الصناعية، مثل البوليستر والنايلون والأكريليك، والتي تُستخدم بشكل رئيسي في الأزياء السريعة، تمثل نحو ثلثي إنتاج المنسوجات عالميًا (69%)، ومن المتوقع أن ترتفع إلى ما يقرب من ثلاثة أرباع (73%) بحلول عام 2030.
وعندما يتم غسل الأقمشة الصناعية، فإن الاحتكاك الناتج عن عملية الغسيل يؤدي إلى إطلاق الألياف البلاستيكية الدقيقة في المجاري المائية.
وتُعدّ الجسيمات البلاستيكية الدقيقة مساهمًا رئيسيًا في التلوث البلاستيكي العالمي، ويصعب إزالتها بالكامل من الماء.

خطر على الحياة البحرية
وبينما لا تزال آثارها على صحة الإنسان غير واضحة، فإنها تُشكل خطرًا على الحياة البحرية، إذ يمكن أن تُعيق عمل الجهاز الهضمي وتتسبب في إصابات عند ابتلاعها.
وكان مختبر DREAM التابع للبروفيسور كيفن جولوفين قد ابتكر في السابق طلاءً قائمًا على السيليكون لتقليل الاحتكاك أثناء الغسيل ومنع تكسر الألياف، إلا أن هذا الطلاء اختُبر فقط مع الأقمشة التي تُغسل آليًا.
وعندما بدأ أمانويل جولياد، الباحث الرئيسي ومؤلف الدراسة، التساؤل عن مدى كفاءة هذا الطلاء في الغسيل اليدوي، أدرك وجود فجوة بحثية وقرر معالجتها.
نشأ جولياد، الذي تنحدر عائلته من إثيوبيا، وهو على دراية بأهمية الغسيل اليدوي ومدى انتشاره عالميًا.
ويقول جولياد: «نحو ثلثي سكان العالم لا يستطيعون الوصول إلى الغسالات».
وأضاف: «يغسل معظم الناس في أنحاء العالم الملابس يدويًا، ومع ذلك فإن جميع الأبحاث المتعلقة بالألياف الدقيقة تقريبًا تركز على الغسيل الآلي في البيئات ذات الموارد المرتفعة».

نوع مياه الغسيل
ولإجراء دراسته، قام جولياد بتكييف طريقة تعتمد على لوح غسيل مصنوع من الخيزران، مستندًا إلى ورقة بحثية أخرى، مشيرًا إلى أن الأبحاث التي أجريت حول الغسيل اليدوي قليلة للغاية، حتى إنه كان من الصعب العثور على طريقة موحدة يمكن الاستعانة بها.
وقام بغسل أقمشة بوليستر خضراء وسوداء، مطلية وغير مطلية، باستخدام ماء منزوع الأيونات، وماء الصنبور، ومياه بحيرة أونتاريو، وبعد الغسيل، صُفِّي ماء الغسيل لقياس وتحليل مؤشرات الأداء الرئيسة.
وتحت المجهر، اكتشف جولياد أنه لم يتم إطلاق كميات كبيرة من الألياف البلاستيكية الدقيقة فحسب، بل إن الطلاء لم يمنع دائمًا إطلاقها كما أظهرت الأبحاث السابقة المعتمدة على الغسالات.
وعند تحليل نسيج البوليستر الأخضر المطلي، تبين أن الطلاء قلل تساقط الألياف بنحو 92% في الماء منزوع الأيونات، لكنه خفّضها بنسبة 37% فقط في مياه بحيرة أونتاريو، ما يوضح أن فعاليته تنخفض مع زيادة المواد الصلبة الذائبة.
ويقول جولوفين: «إن العامل الأهم في فعالية الطلاء هو نوع مياه الغسيل».
ويستخدم معظم من يغسلون ملابسهم يدويًا أي مصدر مائي متاح محليًا، سواء نهرًا أو بحرًا أو بحيرة، وتحتوي هذه المياه على كميات أكبر من المواد الصلبة الذائبة، ما يؤثر بشكل كبير على إطلاق هذه الألياف الدقيقة أكثر مما يدركه الناس.
وفي المقابل، تُجرى معظم الأبحاث في المختبرات باستخدام الماء منزوع الأيونات، الذي يحتوي على نسبة مواد مذابة تساوي صفرًا، وهو ما يعني أن نتائج هذه الدراسات لا تعكس ظروف الغسيل الواقعية في معظم أنحاء العالم.

عدم المساواة في الغسيل
وأضاف جولوفين: «هناك آثار إضافية على المجتمعات التي لا تستطيع الوصول إلى غسالات الملابس، فهي الأكثر تعرضًا للألياف الدقيقة، لكن السياسات والمعايير لا تعكس هذه الحقيقة».
وأشار إلى أن هذه المجتمعات قد تحتاج، وفقًا لنتائج هذا البحث وما سيتبعه من دراسات، إلى أنظمة ترشيح مياه أكثر كفاءة مما تنص عليه السياسات العالمية الحالية.
وكان الاكتشاف الآخر اللافت في الدراسة هو الأطوال الفعلية للألياف.
ويقول جولياد: «إن المستويات المرتفعة من المواد الصلبة الذائبة أدت إلى تقصير أطوال الألياف».
وأضاف: «وهذا أمر بالغ الأهمية، لأن الألياف الأقصر يصعب ترشيحها في أنظمة التنقية، كما أنها تنتشر بسهولة أكبر ويكون ابتلاعها من قِبل الكائنات المائية أسهل».

تطوير طلاء قماشي أكثر تحمّلًا للغسيل اليدوي
وأكد جولوفين أن هذا الاكتشاف له أيضًا تأثير على طرق القياس الحالية، موضحًا: «لدينا فرضية جديدة مفادها أن المعادن المذابة في المياه الأكثر عُسرًا قد تؤدي إلى تفتيت الألياف إلى أجزاء أصغر، ما يؤثر على دقة قياس توزيع الألياف الدقيقة، فمجرد عدّ الألياف لا يعطي صورة كاملة».
ودعا إلى ضرورة قياس الكتلة الكلية للألياف المنبعثة، وليس الاكتفاء بعدّها فقط، مشيرًا إلى أن مختبره يعمل حاليًا على تطوير طلاء قماشي أكثر تحمّلًا للغسيل اليدوي في مياه ذات نسب مرتفعة من المواد الصلبة الذائبة.
ويختتم جولياد بالقول: «آمل أن يسلط هذا العمل الضوء على التأثير البيئي لغسل الملابس يدويًا، والحاجة إلى إجراء المزيد من الأبحاث الشاملة في هذا المجال».





