تواجه الشركات حول العالم اختبارًا حقيقيًا لمدى التزامها بالأخلاقيات والاستدامة عندما تتعرض لضغوط اقتصادية أو تنظيمية أو أزمات عالمية. ففي كثير من الأحيان، تتحول المبادئ المعلنة إلى وعود قابلة للتأجيل أو التراجع، وهو ما يثير تساؤلات متزايدة حول قدرة المؤسسات على الحفاظ على مسؤولياتها الاجتماعية والبيئية في أوقات الشدة.
ويرى باحثون أن التكنولوجيا الرقمية قد تمثل أداة فعالة لضمان استمرار التزام الشركات بمعايير الاستدامة والشفافية، حتى في أصعب الظروف.
من فضيحة «ديزل جيت» إلى تحديات الاستدامة
يعود الجدل حول أخلاقيات الشركات إلى الواجهة مع استمرار القضايا المرتبطة بقطاع السيارات الأوروبي.
ففي المملكة المتحدة، تنظر المحكمة العليا في لندن دعاوى ضد عدد من شركات صناعة السيارات، من بينها مرسيدس وفورد ورينو ونيسان وبيجو-سيتروين، بشأن مزاعم تتعلق بالتلاعب في اختبارات الانبعاثات.
وتأتي هذه القضايا في ظل الإرث الذي خلفته فضيحة «ديزل جيت» الشهيرة، والتي كشفت عام 2015 عن استخدام شركة فولكسفاغن برمجيات صُممت خصيصًا للتحايل على اختبارات قياس الانبعاثات الملوثة، ما أدى لاحقًا إلى دفع الشركة مليارات اليوروهات كغرامات وتعويضات.
ورغم اختلاف الظروف والاتهامات، فإن هذه القضايا تسلط الضوء على سؤال أعمق يتعلق بما إذا كانت بعض الشركات تعتبر التزاماتها البيئية والأخلاقية قابلة للتنازل عندما تواجه تحديات تجارية أو تنظيمية.
أهداف التنمية المستدامة تحت الضغط
في عام 2015 اعتمدت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر، باعتبارها خريطة طريق عالمية للقضاء على الفقر والحد من عدم المساواة وحماية البيئة وتحقيق التنمية بحلول عام 2030.
وتستند هذه الأهداف إلى مبدأ أساسي يتمثل في «عدم ترك أحد خلف الركب»، أي أن نجاح التنمية لا يُقاس فقط بتحقيق النمو، بل بمدى استفادة الفئات الأكثر ضعفًا من هذا التقدم.
لكن الأزمات الاقتصادية والصراعات والحروب تكشف أحيانًا هشاشة هذه الالتزامات، إذ يمكن أن تتراجع المكاسب المحققة في مجالات الصحة والتعليم والعمل والبيئة خلال فترة زمنية قصيرة.
مفهوم النسبية الأزمية
يصف الباحث عمر الطباع، أستاذ إدارة الأعمال، هذه الظاهرة بمصطلح «النسبية الأزمية»، وهو الاعتقاد بأن الالتزامات الأخلاقية والاستدامية يمكن تخفيفها أو تأجيلها أو تجاهلها مؤقتًا عندما تتعرض المؤسسات للضغوط.
ويحذر الباحث من أن ترسيخ هذا المنطق قد يؤدي إلى ظهور جيل جديد من المديرين وصناع القرار الذين ينظرون إلى القيم الأخلاقية باعتبارها خيارًا يمكن الاستغناء عنه في أوقات الأزمات.
ووفقًا لهذا التصور، تصبح حقوق العمال، وسلاسل التوريد العادلة، وحماية البيئة، والعدالة الاجتماعية مكاسب قابلة للتراجع كلما واجهت الشركات أو الحكومات ضغوطًا مالية أو سياسية.
دروس من جائحة كورونا
لم تقتصر هذه الممارسات على قطاع السيارات. فقد أظهرت دراسات سابقة أن العديد من شركات الأزياء العالمية نقلت أعباء أزماتها الاقتصادية إلى الموردين في الدول النامية.
وخلال ذروة جائحة كورونا، ألغت شركات متعددة الجنسيات طلبيات ملابس بصورة مفاجئة وأرجأت المدفوعات للمصانع والموردين في جنوب آسيا، ما أدى إلى تحميل العمال والشركات الصغيرة الجزء الأكبر من الخسائر الاقتصادية.
ويرى الباحثون أن هذه الممارسات تكشف كيف يمكن للشركات أن تتخلى عن مسؤولياتها الاجتماعية عندما تصبح الأرباح أو الاستقرار المالي مهددين.
التكنولوجيا كأداة للمحاسبة
تشير الأبحاث الحديثة إلى أن التكنولوجيا الرقمية قد توفر آليات فعالة للحد من هذه الظاهرة.
ففي قطاع الملابس والأحذية على سبيل المثال، يمكن للشركات استخدام أنظمة التتبع الرقمي الشامل لمراقبة جميع مراحل سلسلة التوريد، بدءًا من المواد الخام وصولًا إلى المنتج النهائي.
وتشمل هذه الأدوات أجهزة استشعار متصلة بالإنترنت لقياس الانبعاثات البيئية، وتقنيات الذكاء الاصطناعي وصور الأقمار الصناعية لمراقبة الممارسات البيئية، إضافة إلى السجلات الرقمية للأجور لضمان حقوق العمال.
كما يمكن استخدام تقنية البلوك تشين والعقود الذكية لإنشاء سجلات غير قابلة للتلاعب توثق الالتزامات البيئية والاجتماعية للشركات.
إغلاق منافذ الهروب
يؤكد الباحثون أن القيمة الحقيقية لهذه التقنيات تكمن في قدرتها على جعل أي تراجع عن الالتزامات الأخلاقية أكثر وضوحًا وأكثر تكلفة.
فعندما تصبح البيانات متاحة بشكل فوري وقابلة للتدقيق، يصبح من الصعب على الشركات إخفاء الانتهاكات أو نقل الأعباء إلى الأطراف الأضعف داخل سلاسل التوريد.
كما تتيح أنظمة الإنذار المبكر اكتشاف المشكلات فور حدوثها، ما يساعد المستثمرين والجهات التنظيمية والعملاء على محاسبة الشركات قبل تفاقم الأضرار.
ضغوط تنظيمية متزايدة
لا يقتصر الاعتماد على هذه الأدوات على الرغبة الطوعية للشركات، إذ تتجه العديد من الحكومات والمؤسسات المالية وشركات التأمين إلى فرض متطلبات أكثر صرامة تتعلق بالشفافية والإفصاح البيئي والاجتماعي.
ومن المتوقع أن يؤدي هذا التوجه إلى زيادة استخدام التقنيات الرقمية كجزء أساسي من أنظمة الامتثال والاستدامة خلال السنوات المقبلة.
الأخلاق ليست خيارًا مؤقتًا
يخلص الباحث إلى أن الأزمات لا ينبغي أن تكون مبررًا للتخلي عن القيم الإنسانية أو المسؤوليات البيئية والاجتماعية.
فالشركات التي تعتبر الأخلاق والاستدامة مجرد إضافات اختيارية قد تحقق مكاسب قصيرة الأجل، لكنها تعرض ثقة المجتمع واستقرار الاقتصاد ومصالح الأجيال المقبلة لمخاطر طويلة الأمد.
وفي عالم يواجه تحديات متزايدة مرتبطة بالمناخ والموارد والعدالة الاجتماعية، تبدو الحاجة ملحة إلى أنظمة تضمن استمرار الالتزام بالمسؤولية والاستدامة، ليس فقط في أوقات الرخاء، بل أيضًا عندما تصبح الظروف أكثر صعوبة.
