علماء يطورون جذور التفاح لمواجهة تقلبات المناخ الحادة

تغيّر المناخ يهدد التفاح.. والباحثون يسابقون الزمن لإنقاذ المحصول.. من الجذور إلى الثمار

لم يعد التهديد الذي يفرضه تغير المناخ على الزراعة مجرد تراجع تدريجي في الإنتاج، بل تحوّل إلى صدمات مفاجئة تضرب المحاصيل في توقيتات حرجة، وتُقوّض استثمارات تمتد لعقود.

ومن بين أكثر المحاصيل تأثرًا، يبرز التفاح كنموذج واضح لكيف يمكن لتقلبات الطقس الحادة—بين دفء غير موسمي وموجات صقيع مفاجئة—أن تُدمر البساتين من جذورها حرفيًا.

هذا ما حدث في شتاء 2015، حين أدت موجة دفء مبكرة في فبراير إلى خروج أشجار التفاح من طور السكون، قبل أن تضربها كتلة هوائية باردة قاسية خلال أيام، متسببة في أضرار واسعة لم تظهر فقط على الفروع، بل طالت الجذور، وهي العنصر الأكثر حساسية وحسمًا في بقاء الأشجار.

التدهور السريع للتفاح

منذ عام 1968، يعمل الباحثون على تهجين وتقييم أشجار التفاح بهدف تطوير جذور أكثر قدرة على مقاومة الأمراض والظروف المناخية القاسية، مع التركيز مؤخرًا على تحمل الجفاف وملوحة التربة والشتاء المعتدل.

هذه الظاهرة، التي عُرفت بـ“التدهور السريع للتفاح”، كشفت عن نقطة ضعف جوهرية في نظم الإنتاج الزراعي الحديثة: الاعتماد على جذور تقليدية طُورت قبل أكثر من قرن، ولم تُصمم لتحمل التقلبات المناخية المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم.

برنامج تربية أصول تفاح جنيف في محطة أبحاث في جنيف، نيويورك

وتكمن خطورة ذلك في أن صناعة التفاح—التي تُقدّر قيمتها بعشرات المليارات من الدولارات سنويًا—تعتمد على نظام تطعيم يجمع بين سلالات مثمرة عالية الجودة وجذور تتحكم في خصائص حيوية مثل النمو والإنتاجية والتحمل البيئي. وإذا فشلت هذه الجذور، ينهار النظام بأكمله.

برنامج “جنيف” لتربية الجذور

في مواجهة هذا التحدي، يقود علماء من جامعة كورنيل ووزارة الزراعة الأمريكية جهودًا طويلة الأمد لإعادة تصميم “أساس” شجرة التفاح، ومن خلال برنامج “جنيف” لتربية الجذور، يعمل الباحثون منذ عقود على تطوير سلالات جديدة أكثر قدرة على مقاومة الجفاف، وتحمل الملوحة، والصمود أمام التغيرات الحرارية الحادة.

باحث يفحص جذور أشجار التفاح داخل مزرعة تجريبية ضمن برنامج علمي لتطوير سلالات مقاومة لتغير المناخ

لكن هذه الجهود لا تُحقق نتائج سريعة؛ إذ قد يستغرق تطوير جذر جديد صالح تجاريًا ما يصل إلى 30 عامًا، وهو ما يعكس فجوة خطيرة بين تسارع التغير المناخي وبطء الابتكار الزراعي.

في الوقت نفسه، تشير الأبحاث الحديثة إلى أن مواسم الخريف والربيع أصبحت أكثر دفئًا، ما يُربك الدورة البيولوجية للأشجار، ويزيد من احتمالات تعرضها لصدمات برد مفاجئة. كما أن اضطراب التيار النفاث القطبي يسمح بامتداد موجات البرد إلى مناطق لم تكن معتادة عليها، ما يضاعف من المخاطر.

باحث يفحص جذور أشجار التفاح داخل مزرعة تجريبية ضمن برنامج علمي لتطوير سلالات مقاومة لتغير المناخ

هنا تبرز أهمية الجذور ليس فقط كوسيلة تثبيت، بل كأداة تكيف بيولوجي؛ إذ يمكنها إبطاء استجابة الأشجار للدفء، أو تقليل احتياجاتها من البرودة، أو حتى تحسين كفاءة استخدام المياه خلال فترات الجفاف—وهي خصائص حاسمة في عالم مناخي غير مستقر.

عزوف الشباب عن العمل في برامج تمتد نتائجها لعقود

ورغم التقدم المحرز، يواجه هذا المجال تحديًا آخر لا يقل خطورة: تراجع الاهتمام بالأبحاث طويلة الأجل، مع اقتراب جيل العلماء الحالي من التقاعد، وعزوف الباحثين الشباب عن العمل في برامج تمتد نتائجها لعقود.

هذا الواقع يطرح سؤالًا ملحًا: هل يمتلك القطاع الزراعي رفاهية الانتظار، بينما تتسارع التغيرات المناخية بوتيرة غير مسبوقة؟ أم أن الاستثمار في “الجذور”—بالمعنى الحرفي والعلمي—هو الخيار الوحيد لضمان بقاء أحد أهم المحاصيل الغذائية في العالم؟

مزرعة تجريبية ضمن برنامج علمي لتطوير سلالات مقاومة لتغير المناخ
Exit mobile version