قد يمنح تقرير علمي أمريكي جديد دفعة قوية للدعاوى القضائية المرفوعة ضد شركات الوقود الأحفوري، بعدما أكد أن العلماء أصبحوا أكثر قدرة من أي وقت مضى على تحديد مدى مساهمة تغير المناخ الناجم عن الأنشطة البشرية في وقوع العديد من الظواهر الجوية المتطرفة.
ونشر التقرير، الصادر عن الأكاديميات الوطنية الأمريكية للعلوم والهندسة والطب (NASEM)، تحديثًا شاملاً لتقييم سابق صدر عام 2016، وجاء في 254 صفحة تحت عنوان “إسناد الظواهر الجوية والمناخية المتطرفة وآثارها”.
وأكد التقرير أن مستوى الثقة أصبح مرتفعًا للغاية في ربط أحداث مثل موجات الحر والأمطار الغزيرة بتغير المناخ الناتج عن انبعاثات الغازات الدفيئة، في حين لا تزال القدرة على إسناد ظواهر أخرى، مثل العواصف الرعدية والأعاصير القمعية (التورنادو)، أقل دقة بسبب تعقيدها العلمي.
تقدم كبير في علم إسناد الظواهر الجوية
وأوضح جيمس هوريل، أستاذ علوم الغلاف الجوي بجامعة ولاية كولورادو ورئيس اللجنة التي أعدت التقرير، أن العقد الماضي شهد تطورًا ملحوظًا في أدوات وأساليب تحليل الظواهر الجوية المتطرفة.
وأشار إلى أن التقدم شمل تحسين النماذج المناخية، وتوسيع بيانات الرصد عبر الأقمار الصناعية والرادارات، إلى جانب تطوير تقنيات إحصائية أكثر دقة، ما أتاح تقييمًا أكثر موثوقية للعلاقة بين الظواهر المناخية والانبعاثات البشرية.
كيف يحدد العلماء مسؤولية تغير المناخ؟
يعتمد ما يعرف بـعلم إسناد الظواهر الجوية المتطرفة (Extreme Event Attribution) على مقارنة الحدث المناخي الذي وقع بالفعل بعالم افتراضي لم تشهد فيه الأرض انبعاثات بشرية مؤثرة.
ومن خلال هذه المقارنة يستطيع العلماء تقدير مدى زيادة احتمالية وقوع الحدث أو شدة تأثيره نتيجة الاحترار العالمي.
وأوضح التقرير أن هذا المجال لم يعد يقتصر على دراسة الاتجاهات العامة، بل أصبح قادرًا على تحليل أحداث منفردة، وهو ما يمنح صناع القرار والمحاكم أدلة علمية أكثر قوة.
تفاوت في دقة النتائج
ورغم هذا التقدم، أشار التقرير إلى استمرار وجود تحديات علمية، إذ لا تزال النماذج المناخية العالمية غير قادرة على تمثيل بعض الظواهر المحلية المعقدة، مثل العواصف الرعدية الشديدة.
كما تنخفض دقة الدراسات في العديد من الدول النامية بسبب نقص سجلات الرصد المناخي طويلة الأمد، وهو ما يحد من قدرة الباحثين على إجراء تقييمات دقيقة.
مجال جديد لقياس الخسائر البشرية والاقتصادية
تناول التقرير أيضًا مجالًا علميًا ناشئًا يعرف باسم إسناد آثار الظواهر المتطرفة (Extreme Event Impact Attribution)، والذي يهدف إلى تحديد مدى مساهمة تغير المناخ في الخسائر البشرية والاقتصادية الناتجة عن الكوارث المناخية.
ويرى معدو التقرير أن هذا المجال يمتلك إمكانات كبيرة، لكنه لا يزال في مراحله الأولى ويحتاج إلى مزيد من التطوير.
كما أوصى التقرير بوضع إطار علمي موحد لدراسات الإسناد، لتجنب اختلاف النتائج بين الدراسات المختلفة، وهو ما قد يسبب ارتباكًا لدى الجمهور وصناع القرار.
انعكاسات مباشرة على القضايا القضائية
يتوقع خبراء أن يسهم التقرير في تعزيز الدعاوى القضائية التي تطالب شركات النفط والغاز بتحمل المسؤولية عن الأضرار الناتجة عن تغير المناخ.
ومن أبرز هذه القضايا، الدعوى التي رفعتها مقاطعة مولتنوماه في ولاية أوريغون ضد عدد من شركات الوقود الأحفوري، مطالبة بتعويضات تتجاوز 51 مليار دولار، على خلفية موجة الحر القياسية التي ضربت شمال غرب الولايات المتحدة عام 2021 وأدت إلى وفاة مئات الأشخاص.
وفي المقابل، واجه التقرير انتقادات من مشرعين جمهوريين ومن جهات مرتبطة بصناعة النفط، إذ شكك بعضهم في حيادية الباحثين المشاركين في إعداده، بينما تواصل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب معارضة الدعاوى المناخية التي تستهدف شركات النفط والغاز.
كما قدم مشرعون جمهوريون مشروع قانون يحمل اسم “وقف دعاوى المناخ الابتزازية” (Stop Climate Shakedowns Act)، يهدف إلى منع استمرار دعاوى التعويضات المناخية أمام المحاكم، وهو ما يعتبره منتقدوه حماية قانونية لشركات الوقود الأحفوري من المساءلة.
