د.عطية سليم: أنفاق غزة “تغير في الأيديولوجية العسكرية للصراع”
أستاذ الجغرافيا السياسية- جامعة قناة السويس
مما لاشك فيه أن الصراع العربي- الإسرائيلي،هو صراع أبدي، و إن صح القول صراع عقائدي، ألقى بظلاله على منطقة هي قلب العالم تمثل ” الشرق الأوسط” وإن شئت قل “قلب الأرض، ليختلف الكاتب مع نظرية “ماكيندر” والتي توحي ( من يسيطر على شرق أوروبا ،يسيطر على قلب الأرض و من يسيطر على قلب الأرض يسيطر على العالم.
بينما يرى الكاتب” أنه من يسيطر على الوطن العربي والشرق الأوسط،يسيطر على قلب العالم ” جيوإستراتيجيا،و جيوعسكريا،وجيوسياسيا”.
من هذا المنطلق سعت الإدارة الأمريكية منذ منتصف القرن الماضي نحو التطبيق العملي لنظرية الكاتب، بل الصدام مع المملكة التي لا تغيب عنها الشمس حينئذ” إنجلترا”، ونعتتها بأنها دولة من الدرجة الثانية، لتتصدر المشهد من أجل عيون الكيان الصهيوني”إسرائيل”، والذي يمثل الصورة الصغرى لأمريكا في المنطقة، حيث الحفاظ على مصالحها واقتصادها كقوى عظمى، خاصة مع ظهور بركة البترول في المنطقة العربية ،وزيادة أهمية قناة السويس في الربط بين الشرق والغرب، ناهيك عن الأهمية الإستراتيجية للمضايق والبحار المحيطة بالوطن العربي.
فكان الدعم اللوجستي و السياسي والعسكري للكيان الصهيوني بإغتصاب قطعة عزيزة على العرب و المسلمين تمثل أولى القبلتين وثالث الحرمين” فلسطين”، وإعلان قيام دولة إسرائيل خاصة مع إنتصار جماعات صهيونية مسلحة، حازت على تدريب عسكري عال خلال الحربين العالميتين،وبدعم غربي- أمريكي منقطع النظير من أجل المصالح المشتركة.
هزيمة 1948 وما تلاها
وبدأ الصراع العربي- الإسرائيلي مع هزيمة العرب على أيدي هذه الجماعات الصهيونية في حرب ١٩٤٨، مرورا بحروب ١٩٦٧،١٩٥٦، ثم الإنتصار العربي بقيادة الشقيقة الكبرى مصر في ١٩٧٣، وتوقيع إتفاقية السلام مع القيادة المصرية آنذاك، لتهنأ إسرائيل بسلام مؤقت، وتتنصل لقرارات مجلس الأمن خاصة٢٤٢، والقاضي بعودة إسرائيل إلى حدود ما قبل ١٩٦٧، وعودة الأراضي المغتصبة، ولكن دون جدوى، لتحصل القاهرة على سيناء بعد إنتصار أكتوبر وتنسحب إسرائيل من جنوب لبنان، وتبقى هضبة الجولان السورية في قبضة اليهود، وتتقلص أرض فلسطين، حيث يسيطر اليهود على نحو٨٧% من جملة مساحتها البالغة ٢٧ ألف كم٢.
اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل
وتقضي إتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل إلى حصول الشعب الفلسطيني على حق تقرير مصيره ولكن دون جدوى،ليتيقن الفلسطينيون بأن مصيرهم الحتمي هو الصدام مع اليهود لاستعادة الأرض خاصة مع تشرزم فلسطين جيوسياسيا، بأن الضفة الغربية لنهر الأردن تتبع الأردن إداريا، وقطاع غزة يتبع مصر إداريا أيضا، ولكن حرصا على القضية الفلسطينية تم إلغاء ذلك.
المستوطنات الإسرائيلية
ومع سرعة وتيرة تقلص الأرض الفلسطينية، حيث سعت الحكومات الصهيونية المتعاقبة إلى بناء المستطونات بالأراضي المحتلة، لتصبح مساحة الضفة الغربية ٥.٦ ألاف كم٢، والقطاع ٣٦٥كم٢، ويصبح المحتل مالكا للأرض، ووجد من يدعمه في ذلك، ويصبح صاحب الأرض الحقيقي لاجىء، إحتارت الأمم المتحدة في إحصائياتهم.
فالشعب الفلسطيني صاحب الأربعة عشر مليون نسمة، يعيش منهم بالقطاع نحو٢.٤مليون نسمة، وفي الضفة ما يقدر بثلاثة ملايين والنسبة الباقية في الشتات،ورغم ذلك فإن كانت إسرائيل تمتلك القنبلة الذرية، فالمرأة الفلسطينية تمتلك القنبلة الذرية.
حرب الأنفاق
ولم يهدأ الصراع لتطل علينا حماس بأيديولوجية عسكرية جديدة هي”حرب الأنفاق”.
فالمعروف أن القطاع يوجد في الجزء الجنوبي من فلسطين بمحازاة البحر المتوسط حتى الحدود مع مصر، وبطول ٤١كم، وعرض مابين ١٢:٦كم، ومساحة تبلغ ٣٦٥كم، كما أسلفنا الذكر، وتظهر علينا جماعات مسلحة صنفها البعض بالدينية، والبعض الآخر بالسياسية العسكرية، ولكن الغرب له تصنيف آخر، حيث صنفها بالإرهابية، لماذا؟ لأنها تدافع عن الأرض المغتصبة، ومن أعطاها الحق في ذلك؟ قاطني قطاع غزة. كيف وهناك السلطة الفلسطينية النائبة عن الشعب الفلسطيني؟ سلطة أم حكومة دولة؟
فلسطين ليست دولة كاملة العضوية في الهيئات الدولية مثل الـ UN “هيئة الأمم المتحدة”، لأن من شروط قيام الدولة (الأرض- السلطة- الشعب)، الأرض محتلة، والشعب مشتت في الخارج، والداخل فرقاء.
ففضلت حركتي حماس والجهاد المقاومة العسكرية ضد الكيان المحتل، رغم قلة الإمكانات العسكرية، لتفضل المقاومة حرب الأنفاق والتي يفوق عددها ١٢٠٠ نفق، وهي تمثل عشرة أمثال أنفاق الحرب الفيتنامية،بمتوسط طول ٤كم للنفق الواحد، وشبكة يبلع مجموع مداها ٥٠٠كم بعضها يستطيع الفرد السير فيها بقامته والبعض الآخر بها شبكة سكك حديدية وسيارات، ومزودة بخطوط مياه وصرف صحي وكهرباء وفتحات تهوية.
وهذه الأنفاق نوعان، بعضها للعتاد العسكري من صواريخ ومسيرات” أسلحة خفيفة”، والبعض الأخر للحركة والكر والفر مع قوات العدو.
لتطل علينا عدة تساؤلات:
- هل هذه الأنفاق ممتدة إلى العمق الإسرائيلي؟
- هل هذه الأنفاق تربط بين الضفة والقطاع؟
- هل هذه الأنفاق تمثل مدن تحت أرضية؟
- هل هذه الأنفاق مؤمنة جيولوجيا ضد أي خطر مفاجئ؟
- هل هذه الأنفاق ستكون سبب رئيس لزوال دولة إسرائيل؟
تكمن الإجابات لهذه التساؤلات، فيما سعت إليه الحكومة الصهيونية من وجوب إغراق هذه الأنفاق، لخطرها الداهم على دولة إسرائيل، خاصة مع خطف العديد من الأسرى اليهود لتقايض حماس الحكومة الصهيونية بهم الكثير من الأسرى الفلسطينيين بالسجون الإسرائيلية، وتكررت قبل ذلك في عملية الأسير “جلعاد شاليط”.
وهناك رأي صهيوني يرى وجوب شفط الهواء من هذه الأنفاق، واستخدام خاصية رفع درجة الحرارة بهذه الأنفاق وتفجيرها، وهناك من عارض ذلك.
فنتائج الإغراق بالمياه أو التفجير الحراري سيزيد الطين بلة، ويزيد من عملية هدم البنايات، والذي تتبعه إسرائيل حاليا في القطاع ومدنه غزة المدينة، خان يونس، ورفح وغيرها من المخيمات، مخلفة دمارا شاملا لآلاف البنايات، وآلاف القتلى معظمهم من النساء والأطفال، فيما يفوق الخمسين ألف شهيد ومفقود، خاصة وأن التربة في هذه المنطقة رملية.
ويرى الجانب الفلسطيني أن هذه الأنفاق مؤمنة بحوائط خرسانية، وعلى عمق يصل إلى سبعين مترا تحت الأرض، فلا ضير حيال ذلك.
فهل ستصبح حرب الأنفاق سبب رئيس للجلوس إلى طاولة التفاوض على حل الدولتين؟ أم سيتعنت النازي نتنياهو ليواصل حربه في القطاع ثم الضفة لمحو فلسطين من الوجود، وتهجير أهل القطاع إلى سيناء، وهو ما رفضته القيادة المصرية حرصا على القضية الفلسطينية، وكذلك الحكومة الأردنية حيال الضفة الغربية؟ أم ستكون غزة والقضية الفلسطينية نواة لحرب عالمية ثالثة ستأكل الأخضر واليابس.
هذا ما ستسفر عنه الأحداث المتوالية.





