أخبارابتكارات ومبادراتتغير المناخ

صوف الأغنام بدلًا من البلاستيك.. تجربة سويسرية تقلل ذوبان الجليد حتى 70%

أغطية صوفية فوق الجليد.. حل بيئي جديد لمواجهة ذوبان الأنهار الجليدية

تجربة علمية في جبال الألب تختبر بديلًا قابلًا للتحلل للأغطية الصناعية المستخدمة لحماية الجليد صيفًا، وتفتح الباب أمام الاستفادة من الصوف السويسري المهدر.. لكن الباحثين يؤكدون أن الحل محدود النطاق ولا يوقف الاحترار العالمي.

في محاولة للحد من ذوبان الأنهار الجليدية خلال أشهر الصيف، اختبر باحثون في غرب سويسرا أغطية مصنوعة من صوف الأغنام بدلًا من الأقمشة الصناعية المعتمدة على البلاستيك، المستخدمة بالفعل لحماية أجزاء من الجليد في المناطق السياحية ومنتجعات التزلج.

وأظهرت النتائج الأولية لمشروع «Keep It Wool» أن الأغطية الصوفية حدّت من ذوبان الجليد بنسبة تتراوح بين 50 و70% في المناطق التي غطتها، وهي نسبة مماثلة لما تحققه الأغطية الصناعية التقليدية، وفقًا لمؤسسة Summit Foundation السويسرية، الشريكة في تنفيذ المشروع.

ولا تقتصر أهمية التجربة على قدرتها على إبطاء الذوبان؛ إذ تختبر أيضًا إمكانية الاستعاضة عن المواد الصناعية بألياف طبيعية قابلة للتحلل، مع الاستفادة من الصوف المحلي الذي يُهدر جزء كبير منه سنويًا.

ومع ذلك، لا يزال المشروع في مرحلة التجربة المحدودة، ولا يقدم حلًا لتراجع الأنهار الجليدية على نطاق واسع، الذي يرتبط بارتفاع درجات الحرارة وتغير المناخ.

أغطية من الصوف لحماية الجليد

مواجهة ذوبان الأنهار الجليدية
مواجهة ذوبان الأنهار الجليدية

يقود المشروع مؤسسة Summit Foundation البيئية بالتعاون مع جامعة لوزان، بعدما اقترح الفكرة أربعة طلاب دراسات عليا، بهدف اختبار بديل أكثر ملاءمة للبيئة للأغطية الصناعية المستخدمة في حماية الجليد.

وفي أواخر يونيو 2026، وضع الفريق غطاءين مصنوعين من الصوف، تبلغ مساحة كل منهما نحو 100 متر مربع، على نهر تسانفلورون الجليدي (Tsanfleuron Glacier) في غرب سويسرا، بالقرب من قرية لي ديابلريه ومنطقة Glacier 3000 السياحية.

ويمتد النهر الجليدي لمسافة تقارب 3.5 كيلومتر، ويصل ارتفاعه إلى نحو 3000 متر فوق سطح البحر.

وجرت التجربة تحت إشراف علمي من جامعة لوزان وشبكة مراقبة الأنهار الجليدية في سويسرا (GLAMOS)، مع إجراء قياسات كل أسبوعين طوال الصيف، ومقارنة أداء الأغطية الصوفية بأغطية الجيوتكستايل الصناعية المستخدمة تقليديًا في حماية الجليد.

وقال تيموثي شتاينر، مدير المشروع، إن الفكرة تستهدف اختبار بديل قابل للتحلل الحيوي، بالتوازي مع إيجاد استخدام للصوف السويسري، الذي يُتخلص من نحو 40 إلى 70% منه سنويًا، وفقًا لما نقلته وكالة رويترز.

وصنعت شركة Fisolan السويسرية الأغطية المستخدمة في التجربة، ورغم أن مورد الصوف نفسه أبدى شكوكًا في البداية بشأن قدرة المادة على تحمل الظروف المحيطة، فإن النتائج الأولية أظهرت أداءً واعدًا.

كيف يبطئ الصوف ذوبان الجليد؟

مواجهة ذوبان الأنهار الجليدية
مواجهة ذوبان الأنهار الجليدية

تعتمد الفكرة على تغطية سطح الجليد بمواد تقلل تعرضه المباشر لأشعة الشمس والحرارة خلال الصيف، بما يساعد على الحد من فقدان الجليد مقارنة بالمناطق المجاورة غير المغطاة.

ووفقًا لمؤسسة Summit Foundation، خفّضت الأغطية الصوفية والصناعية ذوبان الجليد في المناطق المحمية بنسبة تتراوح بين 50 و70%.

وتشير هذه النتيجة الأولية إلى أن الصوف قد يوفر أداءً مقاربًا للأغطية التقليدية، مع ميزة بيئية تتمثل في كونه مادة طبيعية متجددة وقابلة للتحلل، بدلًا من الاعتماد على أقمشة صناعية قد تطلق أليافًا بلاستيكية دقيقة إلى البيئة.

وقال إليوت جافيو، أحد الطلاب المشاركين في ابتكار المشروع، إن الفريق بات يمتلك نتيجة ملموسة يمكن رؤيتها والتحقق منها، معربًا عن رضاه عن أداء الأغطية.

لكن النتائج لا تزال مرتبطة بموقع تجريبي محدود وبموسم صيفي واحد، ما يعني أن الحكم على جدوى التقنية على نطاق أوسع يتطلب اختبارات إضافية لمدى تحمل الأغطية، واستمرار كفاءتها، وتكاليف استخدامها وصيانتها، وتأثيرها البيئي الفعلي.

لماذا تغطي سويسرا أنهارها الجليدية؟

مواجهة ذوبان الأنهار الجليدية
مواجهة ذوبان الأنهار الجليدية

ليست فكرة تغطية الجليد جديدة في سويسرا؛ إذ بدأ استخدام الأغطية الواقية منذ عام 2004 في موقع نهر جورشنفيرن الجليدي على جبل غيمسشتوك.

وتستخدم هذه الأغطية خصوصًا في المناطق التي تعتمد على السياحة الشتوية والتزلج، حيث يمكن للحفاظ على أجزاء من الجليد والثلوج خلال الصيف أن يساعد في إطالة فترة الاستفادة منها.

ووفقًا للمعهد الفيدرالي السويسري لأبحاث الغابات والثلوج والمناظر الطبيعية (WSL)، أظهرت دراسة منشورة عام 2021، بقيادة عالم الجليد ماتياس هوس، أن الأغطية البيضاء المستخدمة في ثمانية مواقع سويسرية خفّضت ذوبان الجليد والثلوج بنحو 60% مقارنة بالمناطق المجاورة غير المغطاة.

وتشير تقديرات المعهد إلى أن هذه الأغطية تساعد في الحفاظ على ما يصل إلى 350 ألف متر مكعب من الجليد سنويًا في سويسرا، لكنها تغطي مساحة محدودة لا تتجاوز نحو 0.18 كيلومتر مربع، أي قرابة 0.02% من إجمالي مساحة الأنهار الجليدية في البلاد.

وتكشف هذه الأرقام حدود التقنية؛ فعلى الرغم من فعاليتها المحلية، فإن توسيع استخدامها ليشمل جميع الأنهار الجليدية السويسرية قد يكلف أكثر من مليار فرنك سويسري سنويًا، وفق تقديرات الباحثين.

ومن هنا تبرز أهمية تجربة الصوف، التي لا تختبر كفاءة التغطية فحسب، بل تبحث أيضًا عن بديل يمكن أن يقلل الاعتماد على المواد الصناعية ويضيف قيمة اقتصادية لمورد محلي يُهدر جزء كبير منه.

صيف قاسٍ وخسائر متسارعة للجليد

مواجهة ذوبان الأنهار الجليدية
مواجهة ذوبان الأنهار الجليدية

تأتي التجربة في وقت تواجه فيه الأنهار الجليدية السويسرية ضغوطًا متزايدة بفعل ارتفاع درجات الحرارة وتراجع تراكم الثلوج خلال الشتاء.

وبحسب البيانات الواردة في التقرير عن شبكة GLAMOS وجامعة فريبورج، فقدت الأنهار الجليدية السويسرية أكثر من 5% من حجمها خلال عام 2026. وجاء ذلك بعد شتاء شهد تساقطًا محدودًا للثلوج، أعقبه صيف حار وجاف.

كما بقي مستوى التجمد الجوي على ارتفاع يزيد على 4000 متر لمدة 76 يومًا، أي أكثر من ضعف المتوسط التاريخي، ما زاد من ظروف ذوبان الجليد.

وخلال السنوات الخمس الماضية، فقدت سويسرا ما يقارب 20% من حجم جليدها، وفق البيانات التي أوردها التقرير، ولم تقتصر الخسائر على تراجع سماكة الجليد أو تقلص مساحة الأنهار الجليدية؛ إذ اختفت بعض الأنهار الجليدية الصغيرة بالكامل.

وتتجاوز تداعيات هذه الخسائر المناطق الجبلية؛ فالأنهار الجليدية تمثل مخزونًا طبيعيًا للمياه، وتغذي أنهارًا تعتمد عليها مجتمعات وأنشطة اقتصادية في مناطق مختلفة.
كما يمكن أن يؤدي تغير استقرار المنحدرات والكتل الجليدية إلى مخاطر على التجمعات السكانية والبنية التحتية القريبة.

وقد سلط انهيار جليدي كبير في سويسرا عام 2025، أدى إلى دفن أجزاء واسعة من قرية بلاتن، الضوء على المخاطر التي قد تنشأ في المناطق الجبلية مع تغير الظروف المناخية والجيولوجية.

هل يصبح الصوف بديلًا قابلًا للتوسع؟

تقدم تجربة «Keep It Wool» مسارًا واعدًا لتطوير الأغطية المستخدمة في حماية الجليد، لكنها لا تزال بحاجة إلى مزيد من الاختبارات قبل تعميمها.

وتشمل الأسئلة المطروحة مدى قدرة الصوف على الاحتفاظ بخصائصه خلال مواسم متعددة، ومدى مقاومته للرطوبة والظروف الجوية القاسية، وتكلفة إنتاج الأغطية ونقلها وتركيبها وإزالتها، فضلًا عن تقييم دورة حياتها البيئية كاملة.

كما أن نجاح الأغطية في تقليل الذوبان داخل مساحة محدودة لا يعني إمكانية حماية الأنهار الجليدية بأكملها بالطريقة نفسها؛ فالمساحات الشاسعة التي تغطيها هذه الأنهار، وتكلفة العمليات اللوجستية في المناطق المرتفعة، تضع حدودًا واضحة أمام التوسع.

والأهم أن هذه الأغطية لا تعالج السبب الرئيسي لفقدان الجليد، بل تقلل الذوبان محليًا ولمدة محدودة. ويؤكد علماء الجليد أن الحد من تراجع الأنهار الجليدية على المدى الطويل يتطلب خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري والحد من ارتفاع حرارة الغلاف الجوي.

لذلك، قد تكون القيمة الأبرز للتجربة في الجمع بين هدفين: حماية أجزاء محدودة من الجليد الذي تعتمد عليه بعض الأنشطة السياحية، واختبار استخدام أكثر استدامة للصوف المحلي بدلًا من الأغطية البلاستيكية، أما قدرتها على الانتقال من تجربة محدودة إلى تطبيق أوسع، فلا تزال بحاجة إلى إثبات علمي وعملي.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة