شكوك أوروبية حول هدف «30×30».. هل ينقذ قانون المحيطات بحار القارة؟

أهداف حماية البحار تتعثر.. وقانون جديد على المحك.. أزمة الصيد وتراجع الشباب

تتجه الأنظار في أوروبا إلى تحولات حاسمة في سياسات حماية البحار، مع تصاعد الشكوك حول قدرة الاتحاد الأوروبي على تحقيق هدفه الطموح بحماية 30% من المساحات البحرية بحلول عام 2030، وهو الهدف المعروف باسم «30×30».

وفي هذا السياق، يبرز مشروع “قانون المحيطات” كأحد أهم التشريعات المرتقبة التي قد تعيد رسم ملامح إدارة الموارد البحرية في القارة.

من ميثاق إلى قانون: تحول في النهج الأوروبي

المحيطات

 

يشهد النقاش الأوروبي تحولًا من الإطار الاستراتيجي المعروف بـ“ميثاق المحيطات” إلى إطار تشريعي ملزم يتمثل في “قانون المحيطات”، الذي يُنتظر طرحه بحلول نهاية عام 2026.

ويهدف هذا القانون إلى توحيد السياسات البحرية المختلفة ضمن إطار قانوني واحد، قائم على نهج النظم البيئية، بما يضمن تحقيق توازن بين:

حماية البيئة البحرية
– دعم الاقتصاد الأزرق
– تعزيز الأمن البحري

غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في صياغة التشريع، بل في مدى قوته الإلزامية وقدرته على فرض التنفيذ الفعلي على أرض الواقع، خاصة في ظل تاريخ طويل من القوانين التي لم تُطبق بشكل كافٍ.

أزمة التنفيذ

البيئة البحرية

 

رغم امتلاك أوروبا مجموعة من القوانين المتقدمة لحماية البيئة البحرية، فإن الانتقادات تتزايد بشأن ضعف تنفيذها.

وتشير تقديرات الخبراء إلى أن العديد من المناطق البحرية المحمية لا تتجاوز كونها “محميات على الورق”، حيث تظل الأنشطة الضارة مثل الصيد الجائر أو الصيد بالشباك القاعية مستمرة داخلها دون رقابة فعالة.

وتبرز هنا فجوة واضحة بين الطموحات السياسية والواقع العملي، ما يضع “قانون المحيطات” أمام اختبار حقيقي: هل سيكون مجرد إضافة تشريعية، أم نقطة تحول فعلية في حماية البحار؟

قطاع الصيد.. أزمة متعددة الأبعاد

الصيد

 

بالتوازي مع النقاشات البيئية، يواجه قطاع الصيد في أوروبا أزمة مركبة، تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والبيئية والاجتماعية.

ومن أبرز التحديات:

تحديد حصص صيد أعلى من المستويات المستدامة
– صعوبة تطبيق قواعد منع إلقاء الأسماك غير المرغوب فيها
– تداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على توزيع الحصص

ضغوط جماعات الصيد الصناعي

ويؤكد خبراء، أن استمرار هذا الوضع يهدد استدامة المخزون السمكي، ما قد يؤدي إلى تدهور القطاع نفسه على المدى الطويل.

نقص الأيدي العاملة.. أزمة صامتة

لا تقتصر الأزمة على الموارد فقط، بل تمتد إلى العنصر البشري، حيث يعاني قطاع الصيد من عزوف الشباب عن العمل فيه.

تشير الدراسات إلى أن، نسبة العاملين دون 25 عامًا لا تتجاوز 17% في بعض المناطق، نحو نصف العاملين تتجاوز أعمارهم 40 عامًا

ويرجع ذلك إلى طبيعة العمل الشاقة، والمخاطر المرتفعة، وارتفاع تكاليف الدخول إلى المهنة، مثل امتلاك قارب صيد.

الصيد الصغير في مواجهة النفوذ الصناعي

يطرح خبراء البيئة حلًا يتمثل في دعم الصيادين الصغار ومنحهم أولوية الوصول إلى مناطق الصيد الأكثر إنتاجية، خاصة للقوارب الصغيرة التي لا تستخدم وسائل مدمرة للبيئة.

ويرى مؤيدو هذا التوجه أن الصيد التقليدي أقل تأثيرًا على النظم البيئية، وأكثر عدالة اجتماعيًا، مقارنة بالصيد الصناعي واسع النطاق.

لكن هذا الطرح يواجه مقاومة من جماعات الضغط المرتبطة بالصيد الصناعي، التي تمتلك نفوذًا كبيرًا في دوائر صنع القرار.

هدف 30×30.. طموح بعيد المنال؟

رغم الالتزام الأوروبي بحماية 30% من البحار، فإن الواقع يشير إلى فجوة كبيرة بين الهدف والتنفيذ.

فحتى عام 2023، لم تتجاوز نسبة المناطق البحرية المحمية نحو 13.7% فقط، مع بقاء سنوات قليلة لتحقيق الهدف.

ولا تقتصر المشكلة على المساحة، بل تمتد إلى جودة الحماية، حيث تُنتقد بعض المناطق لضعف القيود المفروضة داخلها.

الصيد القاعي.. نقطة خلاف رئيسية

يُعد الصيد بالشباك القاعية من أكثر القضايا إثارة للجدل، نظرًا لتأثيره المدمر على قاع البحر والتنوع البيولوجي.

وبينما يطالب نشطاء البيئة بحظره الكامل داخل المناطق المحمية، يفضل صناع القرار الأوروبيون اتباع نهج تدريجي يعتمد على تقييم كل حالة على حدة، وهو ما يثير مخاوف من استمرار الأضرار.

الأمن البحري.. تهديدات جديدة

إلى جانب التحديات البيئية، تصاعدت المخاوف المتعلقة بالأمن البحري، خاصة مع:
تهديدات تخريب الكابلات البحرية
– استهداف خطوط الطاقة تحت الماء
– أنشطة سفن غير خاضعة للرقابة

وقد دفع ذلك الاتحاد الأوروبي إلى تحديث استراتيجيته للأمن البحري، وتعزيز التنسيق واستخدام تقنيات حديثة مثل الطائرات دون طيار لمراقبة الأنشطة المشبوهة.

نحو مستقبل مستدام للبحار الأوروبية

يتفق الخبراء على أن الحل يكمن في إعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والبحر، بحيث تصبح حماية النظم البيئية شرطًا أساسيًا لاستمرار الأنشطة الاقتصادية.

فلا يمكن تحقيق قطاع صيد مزدهر دون بيئة بحرية سليمة، ولا يمكن الحفاظ على التنوع البيولوجي دون سياسات صارمة وفعالة.

الخلاصة

يقف الاتحاد الأوروبي أمام لحظة حاسمة في إدارة موارده البحرية، حيث يتقاطع الطموح البيئي مع التحديات الاقتصادية والسياسية.

ويبقى “قانون المحيطات” اختبارًا حقيقيًا لقدرة أوروبا على الانتقال من الوعود إلى التنفيذ، في سباق مع الزمن لحماية بحارها قبل أن تتفاقم الأزمات بشكل يصعب تداركه.

 

Exit mobile version