ملفات خاصةأخبارالتنوع البيولوجي

بعد اختفاء 85% من شعاب المحار عالميًا.. خريطة جديدة تكشف فرصًا واعدة لاستعادتها

المحار ليس مجرد غذاء.. شعابه الطبيعية تنقي المياه وتحمي السواحل من الأمواج

كشفت دراسة علمية جديدة عن مساحات بحرية واسعة قد تكون ملائمة لاستعادة شعاب المحار حول العالم، رغم التراجع الحاد الذي أصاب هذه النظم البيئية خلال العقود الماضية.

وتُظهر خريطة عالمية أعدها باحثون أن كثيرًا من المناطق التي تتوافر فيها الظروف المناسبة لنمو المحار لا تسجل وجودًا معروفًا لهذه الشعاب، فيما تقع غالبية الموائل المصنفة على أنها شديدة الملاءمة خارج المناطق البحرية والساحلية المحمية.

وتشير تقديرات عالمية سابقة إلى أن نحو 85% من شعاب المحار في العالم فُقدت، نتيجة ضغوط تشمل الاستغلال المفرط والتوسع العمراني والتلوث.

لكن الدراسة الجديدة تقدم أداة لتحديد المناطق التي تستحق مزيدًا من المسح الميداني، تمهيدًا لتقييم فرص استعادة هذه الشعاب، دون أن تؤكد أن كل منطقة تظهر على الخريطة تضم محارًا بالفعل أو أنها مناسبة بالقدر نفسه لجميع أنواعه.

أعد الدراسة يوهان وو وماتيو كونفيرتينو من كلية الدراسات العليا الدولية بجامعة تسينغهوا في شنتشن بالصين، ونُشرت في دورية Frontiers in Marine Science.

شعابه الطبيعية تنقي المياه وتحمي السواحل من الأمواج

خريطة تحدد أين يمكن أن تنمو شعاب المحار

اعتمد الباحثون على 10,442 سجلًا لرصد المحار، جُمعت من قاعدتي بيانات مفتوحتين هما مرفق معلومات التنوع البيولوجي العالمي (GBIF) ومنصة «آي ناتشوراليست» (iNaturalist).

وقارن الفريق مواقع الرصد بتسعة متغيرات مرتبطة بالظروف البحرية، شملت درجة حرارة المياه ومستويات الأكسجين والملوحة وكمية الغذاء المتاح في الماء، إلى جانب عوامل بيئية أخرى.

وعالج النموذج البيانات عبر شبكة من المربعات، يبلغ عرض كل منها نحو 9.2 كيلومتر، ضمن نطاق يصل إلى 45 كيلومترًا من الساحل.

ثم تعلّم النظام الأنماط البيئية المرتبطة بوجود المحار، واستخدمها لتقدير مدى ملاءمة المناطق البحرية الأخرى لنموه.

وصنّف الباحثون المناطق التي حصلت على درجة 0.65 أو أكثر على مقياس من صفر إلى واحد باعتبارها شديدة الملاءمة.

وكان مقدار الضوء الذي يصل إلى قاع البحر أقوى العوامل تأثيرًا في نتائج النموذج، إذ أسهم بأكثر من 40% من قدرته التفسيرية.
وجاءت بعده كمية العوالق النباتية، وهي كائنات دقيقة عالقة في الماء تمثل مصدرًا غذائيًا للمحار الذي يتغذى عن طريق ترشيح المياه.

ومع ذلك، فإن ارتفاع درجة الملاءمة في النموذج لا يثبت وجود شعاب حية في الموقع، بل يشير إلى أن ظروفه البيئية تشبه الظروف المرتبطة بالمناطق التي رُصد فيها المحار، ما يجعله مرشحًا يستحق التحقق ميدانيًا.

عشر دول تمتلك مساحات واعدة لاستعادة الشعاب

حددت الدراسة عشر دول تمتلك سواحلها مساحات واسعة من المياه المصنفة على أنها شديدة الملاءمة لنمو المحار، وهي الولايات المتحدة وأستراليا وتشيلي والصين واليابان وكوريا الجنوبية والأرجنتين وفرنسا وألمانيا وإيطاليا.

وتبلغ المساحة الإجمالية لهذه الموائل نحو 296 ألف كيلومتر مربع، أي مساحة تقارب مساحة ولاية أريزونا الأمريكية، وتمثل نحو 6% من المناطق الساحلية التي شملها التحليل في تلك الدول.

لكن سجلات الرصد لم تسجل وجود المحار إلا في نحو 10% من هذه المساحة الملائمة.

وقال ماتيو كونفيرتينو، إن اتساع المناطق التي حددها النموذج، مقارنة بالمواقع القليلة المسجل فيها وجود المحار، كان من أبرز النتائج اللافتة.

وأشار إلى أن الفجوة قد تعكس فقدان شعاب في مناطق كانت تحتضنها سابقًا، بسبب الاستغلال المفرط والتوسع العمراني، إلى جانب التلوث المائي الناتج عن زيادة المغذيات.

لكن الباحثين يوضحون أن غياب سجل موثق لا يعني بالضرورة غياب المحار؛ فقد تكون بعض الشعاب موجودة دون أن تُرصد أو تُسجل في قواعد البيانات.

ولهذا، يتعامل الفريق مع المناطق المناسبة غير الموثقة باعتبارها مواقع تستحق إجراء مسوحات ميدانية فيها، لا باعتبارها شعابًا مؤكدة مفقودة.

شعابه الطبيعية تنقي المياه وتحمي السواحل من الأمواج

77% من الموائل المناسبة خارج المناطق المحمية

تكشف الخريطة عن فجوة مهمة في حماية هذه النظم البيئية؛ إذ تقع نحو 77% من المساحات المصنفة على أنها شديدة الملاءمة لنمو المحار عالميًا خارج المناطق البحرية والساحلية المحمية المدرجة في قاعدة البيانات العالمية للمناطق المحمية.

وظلت هذه النسبة متقاربة حتى عند تغيير الحد الفاصل المستخدم لتصنيف الموائل شديدة الملاءمة، ما يشير إلى أن محدودية الحماية ليست مرتبطة فقط باختيار معيار واحد داخل النموذج.

وتعني هذه النتيجة أن فرص استعادة الشعاب لا تتوقف على تحديد المواقع المناسبة بيئيًا، بل تتطلب أيضًا النظر في وضعها القانوني ومستوى الحماية الذي تتمتع به، ومدى تعرضها للصيد والتلوث والأنشطة الساحلية.

مصبات الأنهار والخلجان.. بيئات مهمة للمحار

أظهرت الدراسة أن نحو 72% من الشعاب التي تناولها التحليل ترتبط بمصبات الأنهار، حيث تلتقي المياه النهرية بالبحر.
وجاءت الخلجان والبحيرات الساحلية في المرتبة التالية بنحو 21%، بينما ارتبطت نسبة 7% بدلتا الأنهار.

وتوفر مصبات الأنهار بيئات متنوعة يمكن أن تمنح المحار أماكن ملائمة للاستقرار والنمو، لكن هذه المناطق تتأثر أيضًا بما تحمله الأنهار من ملوثات ومغذيات ورواسب من داخل أحواضها.

أما دلتا الأنهار، فقد تواجه تحديات إضافية؛ إذ يمكن أن تؤدي سرعة تدفق المياه في بعض المواقع إلى صعوبة استقرار يرقات المحار الصغيرة والتصاقها بالأسطح المناسبة.

لذلك، يرى الباحثون أن خطط الاستعادة يجب ألا تقتصر على وضع المحار أو توفير الأسطح التي يمكن أن يلتصق بها، بل ينبغي أن تراعي طبيعة حركة المياه والظروف المحلية في كل موقع.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في المناطق الساحلية المتآكلة، حيث يمكن أن تسهم الشعاب الحية في دعم النظم البيئية الساحلية، شريطة اختيار المواقع المناسبة ومعالجة العوامل التي تسببت في تدهورها.

شعابه الطبيعية تنقي المياه وتحمي السواحل من الأمواج

شعاب تنقي المياه وتخفف قوة الأمواج

تتجاوز أهمية شعاب المحار قيمتها بوصفها مصدرًا للغذاء؛ فهي نظم بيئية تؤدي وظائف متعددة في المياه الساحلية.

فالمحار يرشح المياه أثناء تغذيه، ما يساعد على إزالة بعض الجسيمات والمواد العالقة.

ويمكن للشعاب، عندما تتكون في تجمعات كثيفة، أن توفر موائل لكائنات بحرية أخرى، وأن تخفف من قوة الأمواج قبل وصولها إلى الشاطئ.

كما يمكن لهذه الشعاب أن تدعم بعض الكائنات البحرية التي تعتمد عليها في الحماية أو الغذاء، بما يعزز التنوع البيولوجي في المناطق الساحلية.

غير أن استعادة هذه الوظائف تعتمد على نجاح الشعاب في الاستقرار والنمو، وعلى توافر الظروف البيئية الملائمة، وليس على مجرد إنشاء مواقع جديدة لزراعة المحار.

كم تبلغ القيمة الاقتصادية لشعاب المحار؟

حاول الباحثون تقدير بعض المنافع الاقتصادية المحتملة لاستعادة الشعاب، من خلال حساب خدمات مثل إزالة النيتروجين من المياه وتنقيتها وتخزين الكربون في الأصداف.

واعتمدت الحسابات على افتراض وجود محار بكثافة تقارب فردًا واحدًا لكل قدم مربعة، أي نحو 12 فردًا لكل متر مربع، وأن كل محارة ترشح قرابة 189 لترًا من المياه يوميًا.

لكن المعدلات الفعلية للترشيح تختلف باختلاف حجم المحار ودرجة حرارة المياه وكمية الغذاء المتاح.

وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، قدّر الباحثون القيمة السنوية لإزالة النيتروجين بنحو 13.8 مليار دولار، فيما بلغت القيمة المقدرة لتنقية المياه 8.8 مليار دولار إضافية.

وقدّروا قيمة الكربون المخزن في الأصداف بنحو 2.5 مليار دولار.

لكن الدراسة تنبه إلى أن تقدير إزالة النيتروجين وحده يمثل قيمة سنوية، بينما لا تمثل الأرقام الأخرى بالضرورة تدفقات مالية سنوية مماثلة؛ لذلك لا يصح جمع هذه التقديرات ببساطة واعتبارها إجمالي عائد سنوي موحدًا.

كما وضع الباحثون سيناريو منفصلًا لتقدير القيمة السوقية للمحار الموجود، باستخدام أسعار التصدير في كل دولة.

وجاءت تشيلي في المقدمة بقيمة تقديرية تقارب 6.35 تريليون دولار، تلتها الأرجنتين والولايات المتحدة، فيما اقترب مجموع القيم المقدرة للدول العشر من 12 تريليون دولار.

وهذه الأرقام تمثل تقديرًا افتراضيًا لقيمة مخزون المحار القائم وفق الافتراضات المستخدمة، وليست إيرادات متوقعة أو أموالًا يمكن تحصيلها من مشروعات الاستعادة.

كما أنها لا تخصم تكاليف استعادة الشعاب، وهو ما يجعلها أداة أولية للمقارنة والتقييم، وليست توقعًا للعائد المالي الفعلي.

شعابه الطبيعية تنقي المياه وتحمي السواحل من الأمواج
شعابه الطبيعية تنقي المياه وتحمي السواحل من الأمواج

استعادة الشعاب تبدأ من الأنهار والمجتمعات الساحلية

يرى الباحثون أن استعادة شعاب المحار تتطلب إعادة تأهيل الموائل التي تستقر فيها اليرقات وتنمو، إلى جانب تحسين إدارة الأنهار التي تصب في المناطق الساحلية.

فالتلوث القادم من أحواض الأنهار يمكن أن يقوض جهود الاستعادة حتى في المواقع التي تبدو مناسبة من الناحية البيئية. وقد يؤدي اختلال مستويات المغذيات أو تدهور جودة المياه إلى الإضرار بالنظم الساحلية التي يعتمد عليها المحار.

وأكد كونفيرتينو، أن استعادة الشعاب ليست عملية بيئية بحتة، بل تتطلب مشاركة المجتمعات المحلية والصيادين والحكومات والقطاع الصناعي. كما شدد على أهمية النظر إلى ما يُصرف في البحر من مصادر التلوث المختلفة، بدلًا من معالجة الموقع الساحلي بمعزل عن الأنشطة التي تؤثر فيه.

ومن ثم، فإن استعادة الشعاب تحتاج إلى الجمع بين حماية المواقع المناسبة، والحد من التلوث، وإدارة أحواض الأنهار، وإشراك المجتمعات التي تعتمد على الموارد الساحلية في وضع الخطط وتنفيذها.

ما الذي لا تزال الخريطة عاجزة عن حسمه؟

رغم اتساع نطاق التحليل، لا تخلو الدراسة من قيود، فبعض سجلات المحار قد تكون غير دقيقة في تحديد النوع أو الموقع، ولم يتحقق الباحثون ميدانيًا من جميع البيانات المستخدمة.

كما جمع النموذج أنواع المحار المختلفة في فئة واحدة، ما يعني أنه لا يستطيع تحديد النوع الذي يناسب كل منطقة ساحلية.
وتستند بيانات الظروف البحرية إلى الفترة بين عامي 2000 و2014، لذلك لا تمثل الخريطة توقعًا مباشرًا للتغيرات المستقبلية في الموائل مع استمرار الاحترار أو تحمّض المحيطات.

ويشير الباحثون إلى صعوبة فصل التأثير النسبي لتغيرات درجات الحرارة عن عوامل أخرى، مثل التلوث وتحمّض المحيطات، عند محاولة توقع مستقبل المناطق التي يمكن أن تزدهر فيها الشعاب.

ولهذا، يدعو الفريق إلى اختبار نتائج الخريطة من خلال المسوحات الميدانية، وتطوير نماذج تراعي الاختلافات بين أنواع المحار بدلًا من التعامل معها بوصفها مجموعة واحدة.

وتوفر الدراسة نقطة انطلاق لتوجيه جهود البحث والحماية نحو مناطق قد تكون واعدة لاستعادة الشعاب، لكنها لا تغني عن التحقق الميداني.

فالمنطقة المناسبة على الخريطة ليست شعابًا مستعادة بعد، وإنما فرصة محتملة يتوقف نجاحها على جودة المياه، والظروف المحلية، والحماية طويلة الأمد.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة